فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 38724 من 466147

[من روائع الأبحاث]

قال السُّرَّمَرِّي:

فإن قيل: إن موسى - عليه السلام - أنزل الله عليه وعلى قومه المن والسلوى وظلّل عليهم الغمام؟

قلنا: لمحمّد - صلى الله عليه وسلم - أفضل من ذلك فإنّ المنّ والسلوى رزق رزقهم الله تعالى كُفُوا فيه السّعي والاكتساب على ما كانوا قد منعوا منه من الطيبات كما قال الله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء 160] وكانوا لما أنزل الله تعالى عليهم المن والسلوى محصورين في التّيه يتيهون, فهي نعمة في طيّ نَقِمَةٍ تفضّلاً من الله تعالى عليهم, فإنه ذو مغفرة للناس على ظلمهم ولا يمنع عاصياً رزقَه المكتوب له لأجل معصيته, فإنه لابدّ له من القوت أيّام حياته مطيعاً وعاصياً.

فأما محمّد - صلى الله عليه وسلم - فإنه ما أملق أصحابه أو عطشوا إلا دعا لهم بالبركة في الطعام والشراب حتى يكتفوا ويفضل عنهم وكان في ذلك فضيلة أخرى وهي جعل البركة في القليل حتى يكفي النفر الجليل, فقد كان يصيب أصحابَه الفاقَةُ في غزواتهم ويَقلّ عليهم الطعام والماء فيدعو بما يكون قد بقي معهم من ذلك, فيوجَد الشيء اليسير فيدعو فيه فيبارَك فيه حتى يأكلوا ويشربوا ويكتفوا ويفضل منهم كما هو مستفيض في المنقول, وأحلّ لهم الغنائم ولم يحلّ لأحد كان قبلهم رحمةً لهم ولطفاً بهم لأنّه رأى ضعفهم فأحلّها لهم وقوّاهم بها على عدوّهم وعلى أمور دينهم ودنياهم, فأدّوا الأمانة فيما أمروا به من اجتناب الغلول وحمل ما يحصل من الغنائم إلى الإمام ورضاهم بما يحصل لهم بالقسمة كما ذكرنا من خبر قيس بن سعد حين وَجَدَ الحُقَّ الذي فيه من الأموال ما تستغني به عِدَةُ أهل أبياتٍ غِنَى الأبد فردَّهُ وقال لهم: لولا الله ما رأيتموه.

وأما قوم موسى - عليه السلام - فإنه يكفل لهم بأن المنّ والسلوى ينزل عليهم كل يوم قدر كفايتهم وأمرهم أن لا يدّخروا شيئاً فخانوا وخالفوا وادخروا فأنتن ما ادخرُوا وَدَادَ وفسد فقطعه الله تعالى عنهم كما جاء في الحديث: «لولا بنوا إسرائيل لم يخنز اللحم وَلولا حوّاء لم تخن أنثى زوجَها الدهرَ» فأين هؤلاء من هؤلاء؟! وأبلغ من ذلك أنّ أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا يخرجون في غزواتهم فيحصل لهم الحاجة فيجدون ما يكفيهم ويفضل كالذين خرجوا إلى ساحل البحر وقلّت أزوادهم فوجدوا حوتاً قد قذفه البحر فأكلوا منه شهراً وادّهنوا حتى سمنوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت