وأما دعاؤه - صلى الله عليه وسلم - لآحاد من الناس بالبركة ونحو ذلك فيضيق الوقت عن حصْرِه كَعُكّة أم سُلَيم التي أهدت له فيها سمناً فردّها ولم يعصرها فكانت كلّما أرادت سَمْناً أخذت منها حتى عصَرتها ففني فقال - صلى الله عليه وسلم: «لو لم تَعصرها لأخذَتْ منها وقام لها أدم بيتها ... » الحديث.
وكجراب أبي هريرة - رضي الله عنه - الذي كان فيه دون عشرين تمرة فدعا فيه بالبركة فأكل وجهّز في سبيل الله كذا وكذا وسقا وبقي يأكل منه ويطعم إلى أن قتل عثمان بن عفّان - رضي الله عنه - ففقد الجراب في تلك الواقعة, وكشعير عائشة رضي الله عنها الذي دعا فيه فكانت تأكل منه حتى كالته ففني وهذا باب واسع.
وأيضاً فإنّ بني إسرائيل لمّا رزقوا المنّ والسّلوى كانوا محجوراً عليهم في التّيه, معاقَبين على مخالفة الأمر بالدخول إلى الأرض المقدّسة لما احتجوا بأنّ فيها قوماً جبّارين, فقالوا: إنّا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها, وقالوا لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون, فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض, فجعلهم يتيهون في أرض التّيه تلك المدّة, فهذا كان حالهم لما أنزل الله تعالى عليهم المن والسلوى وأصحاب نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - لمّا أمرهم بالقتال قالوا: اوْمُرْنا بما شئت فوالله لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها, ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا, إنّا لا نقول كما قال أصحاب موسى لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون, بل نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون, وقد تقدم هذا المعنى؛ فكان ما أعطي أصحاب موسى - عليه السلام - في مقام الرحمة, وما أعطي أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - في مقام الكرامة والنعمة. انتهى انتهى {خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب على جميع الأنبياء عليهم السلام، للسُّرَّمَرِّي} ...