قال - رحمه الله:
{وإذ استسقى موسى لقومه} : هذا هو الإنعام التاسع، وهو جامع لنعم الدنيا والدين.
أما فِي الدنيا فلأنه أزال عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء، ولولا هو لهلكوا فِي التيه، وهذا أبلغ من الماء المعتاد فِي الأنعام لأنهم فِي مفازة منقطعة.
وأما فِي الدين فلأنه من أظهر الدلائل على وجود الصانع وقدرته وعلمه، وعلى صدق موسى عليه السلام، والاستسقاء طلب الماء عند عدمه وقلته.
وقيل: مفعول استسقى محذوف، أي استسقى موسى ربه، فيكون المستسقى منه هو المحذوف، وقد تعدى إليه الفعل كما تعدى إليه فِي قوله: {إذ استسقاه قومه} أي طلبوا منه السقيا.
وقال بعض الناس: وحذف المفعول تقديره استسقى ماء، فعلى هذا القول يكون المحذوف هو المستسقى، ويكون الفعل قد تعدى إليه كما تعدى إليه فِي قوله:
"وأبيض يستسقى الغمام بوجهه"....
ويحتاج إثبات تعديه إلى اثنين إلى شاهد من كلام العرب، كان يسمع من كلامهم: استسقى زيد وبه الماء، وقد ثبت تعديه مرة إلى المستسقي منه ومرة إلى المستسقى، فيحتاج تعديه إليهما إلى ثبت من لسان العرب.
وذكر الله هذه النعمة من الاستسقاء غير مقيدة بمكان.
وقد اختلف فِي ذلك، فقال أبو مسلم: كان ذلك على عادة الناس إذا قحطوا، وما فعله الله تعالى من تفجير الماء من الحجر فوق الإجابة بالسقياء وإنزال الغيث.
وقال أكثر المفسرين: كان هذا الاستسقاء فِي التيه حين قالوا: من لنا بكذا، إلى أن قالوا: من لنا بالماء، فأمرالله موسى بضرب الحجر.