فصل
قال الفخر:
أما قوله تعالى: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ} فقد اختلفوا فِي ذلك الفريق، منهم من قال: المراد بالفريق من كان فِي أيام موسى عليه السلام لأنه تعالى وصف هذا الفريق بأنهم يسمعون كلام الله.
والذين سمعوا كلام الله هم أهل الميقات، ومنهم من قال: بل المراد بالفريق من كان فِي زمن محمد عليه الصلاة والسلام، وهذا أقرب لأن الضمير فِي قوله تعالى: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ} راجع إلى ما تقدم وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} وقد بينا أن الذين تعلق الطمع بإيمانهم هم الذين كانوا فِي زمن محمد عليه الصلاة والسلام.
فإن قيل: الذين سمعوا كلام الله هم الذين حضروا الميقات، قلنا: لا نسلم بل قد يجوز فيمن سمع التوراة أن يقال: إنه سمع كلام الله كما يقال لأحدنا سمع كلام الله إذا قرئ عليه القرآن. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 123}
وقال القرطبي:
المراد السبعون الذين اختارهم موسى عليه السلام؛ فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره، وحرّفوا القول فِي إخبارهم لقومهم.
هذا قول الربيع وابن إسحاق؛ وفي هذا القول ضعف.
ومن قال: إن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ، وأذهب بفضيلة موسى واختصاصه بالتكليم.
وقد قال السُّدِّي وغيره: لم يطيقوا سماعه، واختلطت أذهانهم ورغِبوا أن يكون موسى يسمع ويعيده لهم؛ فلما فرغوا وخرجوا بدّلت طائفة منهم ما سمعت من كلام الله على لسان نبيهم موسى عليه السلام؛ كما قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله} [التوبة: 6] فإن قيل: فقد روى الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عباس أن قوم موسى سألوا موسى أن يسأل ربه أن يسمعهم كلامه، فسمعوا صوتاً كصوت الشَّبُّور:"إني أنا الله لا إله إلا أنا الحيّ القيوم أخرجتكم من مصر بيد رفيعة وذراع شديدة".