قلت: هذا حديث باطل لا يصح، رواه ابن مَرْوان عن الكلبيّ وكلاهما ضعيف لا يحتج به، وإنما الكلام شيء خُصّ به موسى من بين جميع ولد آدم؛ فإن كان كلّم قومه أيضاً حتى أسمعهم كلامه فما فَضْلُ موسى عليهم؛ وقد قال وقوله الحق: {إِنِّي اصطفيتك عَلَى الناس بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} [الأعراف: 144] وهذا واضح.
الثالثة: واختلف الناس بماذا عرف موسى كلام الله ولم يكن سمع قبل ذلك خطابه؛ فمنهم من قال: إنه سمع كلاماً ليس بحروف وأصوات، وليس فيه تقطيع ولا نفس؛ فحينئذ علم أن ذلك ليس هو كلام البشر وإنما هو كلام رب العالمين.
وقال آخرون: إنه لمّا سمع كلاماً لا من جهة، وكلامُ البشر يُسمع من جهة من الجهات الستّ؛ علم أنه ليس من كلام البشر.
وقيل: إنه صار جسده كله مسامع حتى سمع بها ذلك الكلام؛ فعلم أنه كلام الله.
وقيل فيه: إن المعجزة دلّت على أن ما سمعه هو كلام الله؛ وذلك أنه قيل له: ألق عصاك، فألقاها فصارت ثعباناً؛ فكان ذلك علامة له على صدق الحال، وأن الذي يقول له: {إني أَنَاْ رَبُّكَ} [طه: 12] هو الله جلّ وعز.
وقيل: إنه قد كان أضمر فِي نفسه شيئاً لا يقف عليه إلا علام الغيوب، فأخبره الله تعالى فِي خطابه بذلك الضمير؛ فعلم أن الذي يخاطبه هو الله جل وعز.
وسيأتي فِي سورة"القصص"بيان معنى قوله تعالى: {نُودِيَ مِن شَاطِئِ الوادي الأيمن فِي البقعة المباركة مِنَ الشجرة} [القصص: 30] إن شاء الله تعالى. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 2 صـ 1 - 3}