قال الحرالي: فعلى قدر نفرة النفس من الموت يكون ضعف منال النفس مع المعرفة التي بها تأنس بربها فتتمنى لقاءه وتحبه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، يقع ذلك لعامة المؤمنين عند الكشف حال الغرغرة، ولخاصة المؤمنين فِي مهل الحياة لأنهم لو كشف لهم الغطاء لم يزدادوا يقيناً، فما هو للمؤمن بعد الكشف من محبة لقاء الله فهو للموقن فِي حياته ويقظته، لكمال الكشف له مع وجود حجاب الملك الظاهر؛ ولذلك ما مات نبي حتى يخير فيختار لقاء الله، لتكون وفادته على الله وفادة محب مبادر، ولتقاصر المؤمن عن يقين النبي يتولى الله الخيرة فِي لقائه، لأنه وليه، ومنه ما ورد:"ما ترددت فِي شيء ترددي فِي قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته ولا بد له منه"ففي ضمن ذلك اختيار الله للمؤمن لقاءه، لأنه وليه يختار له فيما لا يصل إليه إدراكه - انتهى.
ثم سجل عليهم بالكذب فقال: {إن كنتم صادقين} أي معتقدين للصدق فِي دعواكم خلوصها لكم. انتهى انتهى. {نظم الدرر حـ 1 صـ 200 - 201}
فصل
قال الفخر:
اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم وهو ادعاؤهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس ويدل عليه وجوه.
أحدها: أنه لا يجوز أن يقال على طريق الاستدلال على الخصم إن كان كذا وكذا فافعل كذا إلا والأول مذهبه ليصح إلزام الثاني عليه. (1)
وثانيها: ما حكى الله عنهم فِي قوله: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى} [البقرة: 111] وفي قوله: {نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] وفي قوله: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} [البقرة: 80] .
(1) فِي الأصل الذي أصحح عليه: (فافعل كذا لا والأول) والتقي على هذا لا معنى له فتعين الاستثناء ليستقيم الكلام. (المصحح) .