[من روائع الأبحاث]
(الناسخ والمنسوخ)
للدكتور/ محمد توفيق أفندي صدقي
الطبيب بسجن طره
أجملت الكلام في هذا الموضوع حينما كتبت مقالات(الدين في نظر العقل
الصحيح)لضيق الوقت وكثرة الأشغال، وقد رأيت الآن أن أعود إليه بإيضاح
يزيل ما هذر به السفهاء من الناس الطاعنين في الإسلام. الذين يعدون النسخ في
القرآن دليلاً على كونه من عند غير الله وكونه لم يحفظ كاملاً كما نعتقد، وليعلم
هؤلاء المساكين أن ما يقذفونه به ليس إلا حصى لا تزحزح طودًا من مكانه. ولولا
غفلة المنتمين إلى هذا الدين لما وجد القوم حصاة واحدة يرمونه بها ظنًّا منهم أنها
تؤلمه.
القول بالنسخ في القرآن ليس من عقائد الإسلام ألبتة، وإنما هو مذهب في
التفسير نشأ غالبًا في العصر الأول إن صحت الروايات الآحادية الواردة في هذا
الباب. والذين قالوا به منهم إنما أخذوه من ظاهر قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} (البقرة: 106) الآية، فكان إذا عرض لواحد منهم اشتباه في فهم
بعض آيات القرآن التى بينها شبه خلاف تمسك بهذا القول لرفْع ما عرض له.
وليس فهم بعض الصحابة حجة في التفسير، وإلا لما خالف جمهور المفسرين ابن
عباس - وهو أعلمهم بالتفسير - في كثير من المسائل ولما خالف بعضهم بعضًا في
نفس هذه المسألة حتى كان بعضهم كأُبَيّ مثلاً يقول: إنى لا أدَع شيئًا سمعته من
رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريد بذلك أنه لا يترك حكمًا ما بدعوى أنه
منسوخ، وكان عمر ينكر عليه ذلك كما ورد في صحيح البخاري عن ابن عباس أن
عمر قال: أقرؤنا أُبي , وأقضانا علي وإنَّا لندع من قول أبي وذاك أن أبيًا يقول:
لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقد قال الله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} (البقرة: 106) .
ولو كانت هذه المسألة من العقائد الإسلامية الواجبة لما أنكرها بعض أئمة
المسلمين المتقدمين والمتأخرين كأبي مسلم الأصفهاني وغيره. على أن المتمسكين
بها ليس عندهم دليل يعتد به على صحة مذهبهم , وسنفسر إن شاء الله الآيات التي
توهموا أنها تفيدهم في تأييد رأيهم , وحسبنا أن القرآن لم يقل في موضع ما إن هذه