قال - رحمه الله:
وقوله: {وَقَالَتِ اليهود} وما بعده فيه أن كل طائفة تنفي الخير عن الأخرى، ويتضمن ذلك إثباته لنفسها تحجراً لرحمة الله سبحانه.
قال فِي الكشاف: إن الشيء هو: الذي يصح ويعتدّ به، قال: وهذه مبالغة عظيمة؛ لأن المحال والمعدوم يقع عليهما اسم الشيء، وإذا نفي إطلاق اسم الشيء عليه، فقد بولغ فِي ترك الاعتداد به إلى ما ليس بعده، وهكذا قولهم أقلّ من لا شيء.
وقوله: {وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب} أي التوراة، والإنجيل، والجملة حالية، وقيل: المراد جنس الكتاب، وفي هذا أعظم توبيخ، وأشدّ تقريع؛ لأن الوقوع فِي الدعاوى الباطلة، والتكلم بما ليس عليه برهان هو: وإن كان قبيحاً على الإطلاق لكنه من أهل العلم، والدراسة لكتب الله أشدّ قبحاً، وأفظع جرماً، وأعظم ذنباً.
وقوله: {كذلك قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ} المراد بهم: كفار العرب، الذين لا كتاب لهم قالوا: مثل مقالة اليهود اقتداءً بهم؛ لأنهم جهلة لا يقدرون على غير التقليد لمن يعتقدون أنه من أهل العلم.
وقيل: المراد بهم طائفة من اليهود، والنصارى، وهم الذين لا علم عندهم، ثم أخبرنا سبحانه بأنه المتولى لفصل هذه الخصومة التي وقع فيها الخلاف عند الرجوع إليه، فيعذب من يستحق التعذيب، وينجي من يستحق النجاة.
وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية فِي قوله: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة} الآية، قال: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} قال: أمانيّ يتمنونها على الله بغير حق: {قُلْ هَاتُواْ برهانكم} قال: حجتكم: {إِن كُنتُمْ صادقين} بما تقولونه أنه كما تقولون: {بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} يقول: أخلص لله.