وكان اليهود أعداء الله ينكرون النسخ، وكانوا يقولون حين تحولت القبلة إلى الكعبة: لو كنتم على الحق فلم رجعتم؟ ولو كان هذا الثاني حقاً، فقد كنتم على الباطل، وكانوا لا يرون النسخ فِي الشرائع، لأن ذلك حال البداء والندامة.
ولا يجوز ذلك على الله.
ولكن الجواب أن يقال: إن الله تعالى يدبر فِي أمره ما يشاء، كما أنه خلق الخلق ولم يكونوا، ثم يميتهم بعد ذلك ثم يحييهم؛ كذلك يجوز أن يأمر بأمر ثم يأمر بغير ذلك الأمر كما أن شريعة موسى عليه السلام لم تكن من قبل، فأمره بذلك.
والمعنى فِي ذلك: أنه حين أمرهم بالأمر الأول كان الصلاح فِي ذلك الوقت فِي هذا الأمر ثم إذا أمر بأمر آخر كان الصلاح فِي ذلك الوقت فِي الأمر الثاني، وهذا المعنى قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض} ، يعني هو أعلم بأمر الخلق، وبما يصلحهم فِي كل وقت.
ثم بين الوعيد لمن لم يؤمن بالناسخ والمنسوخ فقال: {وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ} ، أي من قريب ينفعكم ولا نصير، أي ولا مانع يمنعكم من عذاب الله تعالى. انتهى انتهى. {بحر العلوم حـ 1 صـ 109}
قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ} جزم بلم، وحروف الاستفهام لا تغير عمل العامل؛ وفتحت"أنّ"لأنها فِي موضع نصب.
{لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض} أي بالإيجاد والاختراع، والمُلك والسلطان، ونفوذ الأمر والإرادة.
وارتفع"مُلْكُ"بالابتداء، والخبر"له"والجملة خبر"أن".
والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أمته؛ لقوله: {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} .
وقيل: المعنى أي قل لهم يا محمد ألم تعلموا أن لله سلطان السماوات والأرض وما لكم من دون الله من وَليّ؛ من وَليت أمر فلان، أي قمت به؛ ومنه وليّ العهد، أي القيّم بما عُهد إليه من أمر المسلمين.