قال - رحمه الله:
قوله تعالى: {لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا ... } .
اختلف الأصوليون فِي صيغة افعل هل هو من قسم المركب أو من قسم المفرد؟ حكاه الأنباري فِي شرح المحصول.
وقال صاحب الجمل: واللّفظ المركب إن دلّ بالقصد الأول على طلب الفعل كان مع الاستعلاء أمرا ومع الخضوع سؤالا ومع التساوي التماسا وإلا كان تنبيها إن لم يحتمل الصدق والكذب، وإن احتملهما كان خبرا وقضية (جعلها) من قسم المركب، فهل الآية حجة لأحد المذهبين أم لا؟ من ناحية أن القول إنما (يحكى) به الجمل لا المفردات؟ قال: لا دليل فيها لأن"رَاعِنَا" (قد) اتّصل به ضمير المفعول فهو مركب (هنا) بلا شك.
وقرئ"رَاعِناً"بالتنوين على أنه نعت لمصدر محذوف أي قولا راعِنا.
فعلى هذا المراد بذلك نفس القول وعلى (القراءة) الأخرى المقول له. انتهى انتهى. {تفسير ابن عرفة حـ 1 صـ 389}
قال - عليه الرحمة:
{يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ راعنا وَقُولُواْ انظرنا} الرعي حفظ الغير لمصلحته، وكان المسلمون يقولون للرسول عليه الصلاة والسلام راعنا أي راقبنا وتأن بنا فيما تلقننا حتى نفهمه، وسمع اليهود فافترصوه وخاطبوه به مريدين نسبته إلى الرعن، أو سبه بالكلمة العبرانية التي كانوا يتسابون بها وهي راعينا، فنهي المؤمنون عنها وأمروا بما يفيد تلك الفائدة ولا يقبل التلبيس، وهو انظرنا بمعنى انظر إلينا. أو انتظرنا من نظره إذا انتظره. وقرئ أنظرنا من الإنظار أي أمهلنا لنحفظ. وقرئ راعونا على لفظ الجمع للتوقير، وراعنا بالتنوين أي قولاً ذا رعن نسبة إلى الرعن وهو الهوج، لما شابه قولهم راعينا وتسبب للسب. {واسمعوا} وأحسنوا الاستماع حتى لا تفتقروا إلى طلب المراعاة، أو واسمعوا سماع قبول لا كسماع اليهود، أو واسمعوا ما أمرتم به بجد حتى لا تعودوا إلى ما نهيتم عنه. {وللكافرين عَذَابٌ أَلِيمٌ} يعني الذين تهاونوا بالرسول عليه الصلاة والسلام وسبوه. انتهى انتهى. {تفسير البيضاوي حـ 1 صـ 375}