[من روائع الأبحاث]
(فصل: في المواعظ والرقائق)
العلم والعمل توأمان أمّهما علو الهمة.
قال ابن الجوزي:
أيها الشاب: جوهر نفسك بدراسة العلم، وحلها بحلة العمل فإن قبلت نصحي لم تصلح إلا لصدر سرير أو لذروة منبر
من لم يعمل بعلمه لم يدر ما معه
حامل المسك إذا كان مزكوما فلا حظ له فيما حمل.
بحر قلب العالم يقذف إلى ساحل اللفظ جواهر النطق فتلتقطها أكف الفهم.
تالله إن العالم لخاتم خنصر الدهر.
العلماء غرباء في الدنيا لكثرة الجهال بينهم.
تصنيف العالم: ولده المخلد.
للعالم علم.
أيها المعلم: اثبت على المبتدي (وَقَدِر في السَرد) فالعالم رسوخ والمتعلم قلق.
ويا أيها الطالب: تواضع في الطلب فإن التراب لما ذل لأخمص القدم صار طهورا للوجه، ولا تيأس مع مداومة الخير أن يقوى ضعفك فالرمل مع الزمان يستحجر.
صابر ليل البلاء فبعين الصبر ترى فجر الأجر ما يدرك منصب بلا نصب ألا ترى إلى الشوك في جوار الورد.
أيها المبتدي: تلطف بنفسك فمداراة الجاهل صعبة تنقل من درج الرخص إلى سطوح العزائم ولا تيأس من المراد فأول الغيث قطر ثم ينسكب.
ندم على حضور المجلس فالطفل يحتاج كل ساعة إلى الرضاع، فإذا صار رجلا صبر على الفطام على أن الماء إذا كثر صدمه للحجر أثر.
يا عطاش الهوى في تيه القوى: انحرفوا إلى جادة العلم فكم في فيافي التعلم من عين تعين على قطع البادية.
يا جَيرَةَ الحَي هُبُّوا مِن رُقادِكُمُ فَلي حَديثٌ لَه مَعَ سَمعِكُم شُغُلُ طريق الفضائل مشحونة بالبلاء ليرجع عنها محنث العزم إذا نزلت بالحازم بلية فوجد مذاقها مرا أدار في الفكر حلو العواقب فنسخ وسخ ما رسخ.
العاقل صابر للشدائد لعلمه بقرب الفرج، والجاهل على الضد كما أن النار إذا اشتعلت في حطب الزيتون لم يدخن بخلاف السوس ألا إن الطبع طفل والعقل بالغ.
(فصل العلم والعمل)
لما رأيت نفسي في العلم حسناً، فهي تقدمه على كل شيء وتعتقد الدليل، وتفضل ساعة التشاغل به على ساعات النوافل، وتقول: أقوى دليل لي على فضله على النوافل. أني رأيت كثيراً ممن شغلتهم نوافل الصلاة والصوم عن نوافل العلم، قد عاد ذلك عليهم بالقدح في الأصول، فرأيتها في هذا الاتجاه على الجادة السليمة والرأي الصحيح.
إلا أني رأيتها واقفة مع صورة التشاغل بالعلم، فصحت بها فما الذي أفادك العلم؟. أين الخوف؟ أين القلق؟ أين الحذر؟.
أما سمعت بأخبار أخيار الأحبار في تعبدهم واجتهادهم؟.