"لطيفة"
قال فِي البحر المديد:
يفهم من سر الخطاب أن كل من قصر أمله، وحسن عمله، وطيب نفسه للقاء الحبيب، واشتغل فِي هذه اللحظة القصيرة بما يقربه من القريب، كان قربه من الله بقدر محبته للقائه، وكل من طوّل أمله، وحرص على البقاء فِي هذه الدار الفانية، كان بُعده من الله بقدر محبته للبقاء، إلا من أحب البقاء لزيادة الأعمال، أو الترقي فِي المقامات والأحوال، فلا بأس به، ويفهم منه أيضاً أن مَن اشتد حرصه على الحياة الفانية كانت فيه نزعة يهودية.
واعلم أن الناس، فِي طول الأمل وقصره، على قسمين: منهم من طوّل فِي أمله فازداد فِي كسله، ودخله الوهن فِي عمله، وآخر قد قصر أملُه وجعل التقوى بضاعته، والعبادة صناعته، ولم يتجاوز بأمله ساعته، ومثل هذا قد رفع التوفيق عليه لواءه، وألبسه رداءه، وأعطاه جماله وبهاءه، فانظر رحمك الله أيّ الرجلين تريد أن تكون، وأي العملين تريد أن تعمل، وبأي الرداءين أن تشتمل؟ فلست تلبس هناك إلا ما تلبس هنا. وبالله التوفيق. انتهى انتهى. {البحر المديد حـ 1 صـ 139}
قال - رحمه الله:
قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حَيَاةٍ ... } .
قال الزمخشري: نكرة لأنها حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة.
قال ابن عرفة: فأريد بها (هنا) التعظيم والتهويل أو يقال: إنّه (نكرة) للتقليل أي يحرصون على الحياة القليلة فأحرى الكثيرة، فيكون من التنبيه بالأدنى على الأعلى، هذا أظهر وأدلّ على اختصاصهم بالحرص على الحياة وأبلغ، لكن ما بعده يدل على ما قاله الزمخشري.
قوله تعالى: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ... } .
قال بعض الطلبة: (لم يرد) (الحول معبرا عنه بالسنة إلا إذا كان فيه(الجدب والغلاء) قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بالسنين} فهلا قيل: يودّ أحدهم لو يعمر ألف عام؟ فَأجاب ابن عرفة بأنهم (يختارون) الحياة على الموت كيف ما كانت، وهو تنبيه على الأعلى بالأدنى، لأنّهم إذا تَمنّوا حياة ألف سنة مجدبة وفضلوها على الموت، فأحرى أن يفضلوا ألف عام. انتهى انتهى. {تفسير ابن عرفة حـ 1 صـ 377 - 378}