قال - رحمه الله:
{وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مّن دياركم} على نحو ما سبق فِي {لاَ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 38] والمراد أن لا يتعرض بعضكم بعضاً بالقتل والإجلاء وجعل قتل الرجل غيره قتل نفسه لاتصاله نسباً أو ديناً، أو لأنه يوجبه قصاصاً، ففي الآية مجاز، إما فِي ضمير كم حيث عبر به عمن يتصل به أو فِي {تَسْفِكُونَ} حيث أريد به ما هو سبب السفك.
وقيل: معناه لا ترتكبوا ما يبيح سفك دمائكم وإخراجكم من دياركم، أو لا تفعلون ما يرديكم ويصرفكم عن لذات الحياة الأبدية فإنه القتل فِي الحقيقة ولا تقترفوا ما تمنعون به عن الجنة التي هي داركم، وليس النفي فِي الحقيقة جلاء الأوطان بل البعد من رياض الجنان ولعل ما يسعده سياق النظم الكريم هو الأول.
والدماء جمع دم معروف وهو محذوف اللام وهي ياء عند بعض لقوله:
جرى الدميان بالخبر اليقين ...
وواو عند آخرين لقولهم دموان ووزنه فعل أو فعل، وقد سمع مقصوراً وكذا مشدداً، وقرأ طلحة وشعيب {تَسْفِكُونَ} بضم الفاء وأبو نهيك بضم التاء وفتح السين وكسر الفاء مشددة وابن أبي إسحاق كذلك إلا أنه سكن السين وخفف الفاء {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} أي بالميثاق واعترفتم بلزومه خلفاً بعد سلف فالإقرار ضد الجحد ويتعدى بالباء قيل ويحتمل أنه بمعنى إبقاء الشيء على حاله من غير اعتراف به وليس بشيء إذ لا يلائمه حينئذ