[من روائع الأبحاث الجامعة والقيمة والنفيسة]
(شبهة: أتى بجمع كثرة حيث أريد القلة)
نص الشبهة: جاء في سورة البقرة: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} (سورة البقرة: 80) ، وكان يجب أن يجمعها جمع قلة؛ حيث إنهم أرادوا القلة، فيقول: أيامًا معدودات، وهو ما جاء في (سورة آل عمران: 24) {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} .
والرد على ذلك من وجوه (1) :
الوجه الأول: اقتضى الحال في سورة البقرة التعبير بجمع الكثرة، وفي سورة آل عمران التعبير بجمع القلة.
قال ابن جماعة: لأن قائل ذلك فرقتان من اليهود؛ إحداهما قالت: إنما نعذب بالنار سبعة أيام عدد أيام الدنيا، والأخرى قالت: إنما نعذب أربعين عدة أيام عبادة آبائهم العجل، فآية البقرة تحتمل قصد الفرقة الثانية حيث عبر بجمع الكثرة، وآل عمران بالفرقة الأولى حيث أتى بجمع القلة.
ألحقوا بصفة الجمع الكثير الهاء؛ فقالوا: أعطيته دراهم كثيرة وأقمت أيامًا معدودة، وألحقوا بصفة الجمع القليل الألف والتاء؛ فقالوا: أقمت أيامًا معدودات، وكسوته أثوابًا
رفيعات، وأعطيته دراهم يسيرات، وعلى هذا جاء في سورة البقرة وفي آل عمران؛ كأنهم قالوا أولًا بطول المدة التي تمسهم فيها النارُ، ثم تراجعوا عنه فقصروا تلك المدة.
وعلى ذلك يمكن أن نقول: إن هذه من المواضع التي يكون فيها المفرد أكثر من الجمع، فجمع غير العاقل إن كان بالإفراد يكون أكثر من حيث العدد من الجمع السالم كأنهار جارية وأنهار جاريات؛ فالجارية أكثر من الجاريات، قال تعالى في سورة يوسف: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} أي: أكثر من 11 درهمًا، ولو قال: معدودات لكانت أقل.
وفي الآيتين المتقدمتين قال في الأولى: (أيَّامًا مَعْدُودَةٍ) وفي الثانية: (أيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) ؛ لأن الذنوب التي ذُكرت في الأولى أكثر، فجاء بـ (مَعْدُودَةٍ) التي تفيد الكثرة، والذنوب التي ذكرت في الثانية أقل فجاء بـ (مَعْدُودَاتٍ) ؛ فجاءت كل كلمة بما يناسب السياق.