(مع النص الحكيم السامي)
قوله تعالى {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) }
(مناسبة الآية لما قبلها)
قال البقاعي:
ولما بين لهم أنهم نقضوا العهود فأحاطت بهم الخطايا فاستحقوا الخلود فِي النار توقع السائل الإخبار عن سبب وقوعهم فِي ذلك هل هو جهل أو عناد فبشع سبحانه ذلك عليهم بما افتتحه بحرف التوقع فقال: {ولقد} باللام التي هي توكيد لمضمون الكلام، و"قد"هي لوقوع مرتقب مما كان خبراً أو مما سيكون علماً - قاله الحرالي.
{آتينا} أي بعظمتنا {موسى الكتاب} أي نقضتم تلك العهود مع أن عندكم فيها كتاب الله التوراة تدرسونه كل حين، فلم ندعكم هملاً بعد موسى عليه السلام بل ضبطنا أمركم بالكتاب {وقفينا} من التقفية وهي متابعة شيء شيئاً كأنه يتلو قفاه، وقفاء الصورة منها خلفها المقابل الموجه - قاله الحرالي: {من بعده} أي بعد موسى {بالرسل} أي ثم لم نقتصر على الضبط بالكتاب الذي تركه فيكم موسى بل واترنا من بعده إرسال الرسل مواترة، وجعلنا بعضهم فِي قفاء بعض ليجددوا لكم أمر الدين ويؤكدوا عليكم العهود والرسالة انبعاث أمر من المرسل إلى المرسل إليه {وآتينا} بما لنا من العظمة {عيسى} اسم معرب.
أصله يسوع {ابن مريم} الذي أرسلناه لنسخ بعض التوراة تجديد ما درس من بقيتها {البينات} من الآيات العظيمة التي لا مرية فيها لذي عقل، والبينة من القول والكون ما لا ينازعه منازع لوضوحه - قاله الحرالي: {وأيدناه} أي قويناه على ذلك كله، من التأييد وهو من الأيد وهو القوة، كأنه يأخذ معه بيده فِي الشيء الذي يقويه فيه، كأخذ قوة المظاهرة من الظهر، لأن الظهر موضع قوة الشيء فِي ذاته، واليد موضع قوة تناوله لغيره - قاله الحرالي: {بروح القدس} أي الروح الطاهر وهو جبريل عليه السلام كما أيدنا به غيره من أولي العزم.