ومما يجوز أن يقع عليه (بين) وهو واحد في اللفظ ويؤدي عن الاثنين فما زاد قوله: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} [البقرة: 136] ، ولا يجوز: لا نفرق بين رجل منهم، لأن أحدا لا يُثنى كما يثنى الرجل ويجمع، فإن شئت جعلت أحدا في تأويل اثنين، وإن شئت في تأويل أكثر من ذلك، قال الله تعالى: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47] ، وتقول: بين أيهم المال، وبين من قسم المال، فتجرى (من وأي) على مجرى أحد لأنهما قد يكونان لواحد. وجميع هذا قول الفراء، ونحو هذا قال
الزجاج فقال: معنى: {بَيْنَ ذَلِكَ} بين البكر والفارض، وإنما جاز بين ذلك وبين لا يكون إلا مع اثنين لأن ذلك ينوب عن الجمل تقول: ظننت زيدا قائما، فيقول القائل: قد ظننت ذاك، وظننت ذلك.
قال أبو علي: اعلم أن بين اسم يستعمل على ضربين: مصدر وظرف، وهما عندي وجميع بابهما يرجع إلى أصل واحد، وهو الافتراق والانكشاف.
فأما الذي هو مصدر فقالوا: بان الخليطُ بيناً أي فارق، وقد بِنْتُه أي: فارقته، أنشد أبو زيد:
كَأَنَّ عَيْنَيَّ وَقَدْ بَانُونِي ... غَرْبَانِ في جَدْوَلٍ مَنْجَنُونِ
والمعروف: بان عني، فأما هذا فيتجه على أنه أراد الحرف فحذفه
فلما حذف الحرف أوصل الفعل. وقولهم: بان الأمر وأبان، إنما معناه: انكشف، وفارقه ما كان غشيه من الإشكال بغيره والالتباس بسواه.
وقال أبو زيد: البَيُون: البئر الواسعة الرأس الضيقة الأسفل، إذا قام
الساقي على شفتها لم ير الماء، وأنشد:
إِنَّكَ إِنْ دَعَوْتَنِي ودُوني ... زَوْرَاءُ ذاتُ مَنْزَعٍ بَيُونِ
لَقُلْتُ لَبَّيْهِ لِمَنْ يَدْعُونِي
وهذا أيضًا مما ذكرنا؛ لأن أعلى البئر فارق أسفلها لأنهياره بورود
السابلة عليها والمستقين منها.