ولهذا المعنى الذي ذكرنا في أصل هذه الكلمة أضيف (بين) إلى ما دل على أكثر من الواحد في الأسماء، ولم يضف إلى الاسم المفرد الدال على الواحد، لأن ذلك ممتنع في معناه.
ألا ترى أنك لو قلت: اجتماع زيد، وجمعت زيداً، لم يسغ حتى تضيف إليه ما تريد به على الأفراد.
هذا أصل (بين) في اللغة، ثم لا يمتنع أن يتسع فيه كما اتسع في غيره، فيستعمل لغير هذا المعنى. مما اتسع فيه أنه استعمل بمعنى الوصل، وهو ضد الافتراق، وقد بينا أن أصله راجع إلى الافتراق، وإنما جاز استعماله بمعنى الوصل في قوله: {لَقَد تَقَطَّع بَيْنُكُم} [الأنعام: 94] على قراءة من رفع، لأنه قد كثر استعمالها ظرفًا بين الشيئين ومع الشيئين اللذين بينهما ملابسة ومخالطة، فصار لذلك بمنزلة الوصلة والاقتراب بين الشيئين. وهذا الاتساع إنما هو في المستعمل ظرفا دون التي هي مصدر، لأنه في الاستعمال أكثر.
وهذا التوسع في الظروف كثير، والذي استعمل ظرفا أصله الذي هو مصدر؛ لأن المصادر قد استعملت ظروفاً في مواضع كثيرة، والأسماء التي تستعمل تارة ظروفاً وتارة أسماءً لا تمتنع أن تكون مشتقة مثل: خلف وأمام وقدام وأعلى وأسفل ووسط كلها مشتقة، وهي مع ذلك ظروف وقد استعملت أسماءً كما استعملت ظروفاً، وكذلك بين في نحو قوله: {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} [فصلت: 5] ، قد استعملت اسما. كما استعملت ظرفا نحو: بينهما مال، وفي قوله: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94] في قراءة من نصب، لأن المعنى: لقد تقطع الاشتراك بينكم.
وأما ما لزم الظرفية وبعد عن التمكن كإذ ونحوه فيمتنع اشتقاقه.