فصل
قال الفخر:
أما قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مّن بَعْدِ ذلك} أي ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به،
قال القفال رحمه الله: قد يعلم فِي الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة، فحرفوا التوراة وتركوا العمل بها وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا فِي التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلاً ونهاراً يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى ويجاهرون بالمعاصي فِي معسكرهم ذلك حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون وكل هذا مذكور فِي تراجم التوراة التي يقرون بها ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس وكفروا بالمسيح وهموا بقتله.
والقرآن وإن لم يكن فيه بيان ما تولوا به عن التوراة فالجملة معروفة وذلك إخبار من الله تعالى عن عناد أسلافهم فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام من الكتاب وجحودهم لحقه وحالهم فِي كتابهم ونبيهم ما ذكر والله أعلم. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 101}
وقال القرطبي:
وقوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} تولّى تفعّل، وأصله الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم؛ ثم استعمل فِي الإعراض عن الأوامر والأديان والمعتقدات إتساعاً ومجازاً.
وقوله: {مِّن بَعْدِ ذلك} أي من بعد البرهان؛ وهو أخذ الميثاق ورفع الجبل. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 1 صـ 438}
وقال أبو حيان:
{ثم توليتم من بعد ذلك} : أي أعرضتم عن الميثاق والعمل بما فيه، وأصل التولي: أن يكون بالجسم، ثم استعمل فِي الإعراض عن الأمور والأديان والمعتقدات، اتساعاً ومجازاً.
ودخول ثم مشعر بالمهلة، ومن تشعر بابتداء الغاية.
لكن بين الجملتين كلام محذوف، التقدير، والله أعلم: فأخذتم ما آتيناكم، وذكرتم ما فيه، وعملتم بمقتضاه.
فلا بدّ من ارتكاب مجاز فِي مدلول من، وأنه لسرعة التولي منهم واجتماعهم عليه، كأنه ما تخلل بين ما أمروا به وبين التولي شيء.