قال - رحمه الله:
قوله: {لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد} تضجُّر منهم بما صاروا فيه من النعمة، والرزق الطيب، والعيش المستلذ، ونزوع إلى ما ألفوه قبل ذلك من خشونة العيش:
إنَّ الشَقيَّ بالشَقَاءِ مُولعٌ ... لا يَمْلِكُ الردَّ لَهُ إذا أتى
ويحتمل أن لا يكون هذا منهم تشوقاً إلى ما كانوا فيه، ونظراً لما صاروا إليه من العيشة الرافهة، بل هو: باب من تعنتهم، وشعبة من شعب تعجرفهم كما هو دأبهم، وهِجّيِراهم فِي غالب ما قصّ علينا من أخبارهم.
وقال الحسن البصري: إنهم كانوا أهل كراث، وأبصال، وأعداس، فنزعوا إلى عكرهم، أي: أصلهم عكر السوء، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم، فقالوا: {لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد} والمراد بالطعام الواحد: هو: المنّ والسلوى، وهما، وإن كانا طعامين لكن لما كانوا يأكلون أحدهما بالآخر جعلوهما طعاماً واحد.
وقيل: لتكررهما فِي كل يوم، وعدم وجود غيرهما معهما، ولا تبدلة بهما.
و"من"فِي قوله: {مِمَّا تُنبِتُ} تخرج.
قال الأخفش زائدة، وخالفه سيبويه، لكونها لا تزاد فِي الكلام الموجب.
قال النحاس: وإنما دعا الأخفش إلى هذا؛ لأنه لم يجد مفعولاً ليخرج فأراد أن يجعل"ما"مفعولاً.
والأولى أن يكون المفعول محذوفاً دل عليه سياق الكلام، أي: تخرج لنا مأكولاً.
وقوله: {مِن بَقْلِهَا} بدل من"ما"بإعادة الحرف.
والبقل: كل نبات ليس له ساق، والشجر: ما له ساق.
قال فِي الكشاف:"البقل: ما أنبتته الأرض من الخضر، والمراد به أطايب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع، والكرفس، والكراث، وأشباهها". انتهى.
والقثاء بكسر القاف، وفتحها.
والأولى قراءة الجمهور، والثانية قراءة يحيى بن وثاب، وطلحة بن مُصَرَّف، وهو معروف.
والفوم: قيل هو: الثوم، وقد قرأه ابن مسعود بالثاء.
وروي نحو ذلك عن ابن عباس، وقيل: الفوم: الحنطة، وإليه ذهب أكثر المفسرين، كما قال القرطبي.
وقد رجح هذا ابن النحاس.
وقال الجوهري: الثوم الحنطة، وممن قال بهذا الزجاج، والأخفش، وأنشد:
قَدْ كُنْتُ أحْسبني كَأغْنَى وَاحِد ... تَركَ المدينةَ عَنْ زِراعةِ فُومِ