وقال بالقول الأوّل الكسائي ، والنضر بن شميل ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت:
كَانَت مَنَازِلُهم إذ ذَاكَ ظَاهِرة... فِيهَا الفَرَادِيسُ والفُومَاتُ والبْصَلُ
أي الثوم ، وقال حسان:
وأنتم أُناسٌ لِئَامُ الأصُولِ... طَعَامكم الفْوُمُ وَالْحوَقلُ
يعني الثوم والبصل ، وقيل: الفوم: السنبلة.
وقيل الحمص.
وقيل: الفوم: كل حبّ يخبز.
والعدس والبصل معروفان.
والاستبدال: وضع الشيء موضع الآخر و {َأَدْنَى} قال الزجاج: إنه مأخوذ من الدنوّ.
أي: القرب ، والمراد: أتضعون هذه الأشياء التي هي دون موضع المنّ والسلوى اللذين هما خير منها من جهة الاستلذاذ ، والوصول من عند الله بغير واسطة أحد من خلقه ، والحلّ الذي لا تطرقه الشبهة ، وعدم الكلفة بالسعي له ، والتعب فِي تحصيله.
وقوله: {اهبطوا مِصْرًا} أي: انزلوا ، وقد تقدّم معنى الهبوط.
وظاهر هذا أن الله أذن لهم بدخول مصر.
وقيل: إن الأمر للتعجيز ؛ لأنهم كانوا فِي التيه ، فهو مثل قوله تعالى: {كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً} (الإسراء: 50) ، وصرف مصر هنا مع اجتماع العلمية ، والتأنيث ؛ لأنه ثلاثي ساكن الوسط ، وهو: يجوز صرفه مع حصول السببين ، وبه قال الأخفش والكسائي.
وقال الخليل ، وسيبويه: إن ذلك لا يجوز ، وقالا: إنه لا علمية هنا ؛ لأنه أراد مصراً من الأمصار ، ولم يرد المدينة المعروفة ، وهو خلاف الظاهر.
وقرأ الحسن ، وأبان بن تغلب ، وطلحة بن مصرف بترك التنوين ، وهو كذلك فِي مصحف أبيّ ، وابن مسعود.
ومعنى ضرب الذلة ، والمسكنة إلزامهم بذلك ، والقضاء به عليهم قضاء مستمراً لا يفارقهم ، ولا ينفصل عنهم ، مع دلالته على أن ذلك مشتمل عليهم اشتمال القباب على من فيها ، ومنه قول الفرزدق يهجو جريراً:
ضرَبَت عَلَيْكَ العَنكَبوتُ بِوزَنها... وَقَضى عَلَيْكَ بِه الكِتابُ المُنزلُ