{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}
خطاب لبني إسرائيل بالإرشاد إلى ما يعينهم على التخلق بجميع ما عدد لهم من الأوامر والنواهي الراجعة إلى التحلي بالمحامد والتخلي عن المذمات، له أحسن وقع من البلاغة فإنهم لما خوطبوا بالترغيب والترهيب والتنزيه والتشويه ظن بهم أنهم لم يبق فِي نفوسهم مسلك للشيطان ولا مجال للخذلان وأنهم أنشأوا يتحفزون للامتثال والائتساء، إلا أن ذلك الإلف القديم يثقل أرجلهم فِي الخطو إلى هذا الطريق القويم، فوصف لهم الدواء الذي به الصلاح وريش بقادمتي الصبر والصلاة منهم الجناح.
فالأمر بالاستعانة بالصبر لأن الصبر ملاك الهدى فإن مما يصد الأمم عن اتباع دين قويم إلفهم بأحوالهم القديمة وضعف النفوس عن تحمل مفارقتها فإذا تدرعوا بالصبر سهل عليهم اتباع الحق.
وأما الاستعانة بالصلاة فالمراد تأكد الأمر بها الذي فِي قوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] وهذا إظهار لحسن الظن بهم وهو طريق بديع من طرق الترغيب.
ومن المفسرين من زعم أن الخطاب فِي قوله: {واستعينوا} إلخ للمسلمين على وجه الانتقال من خطاب إلى خطاب آخر، وهذا وهم لأن وجود حرف العطف ينادي على خلاف ذلك ولأن قوله: {إلا على الخاشعين} مراد به إلا على المؤمنين حسبما بينه قوله: {الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم} الآية اللهم إلا أن يكون من الإظهار فِي مقام الإضمار وهو خلاف الظاهر مع عدم وجود الداعي.
والذي غرهم بهذا التفسير توهم أنه لا يؤمر بأن يستعين بالصلاة من لم يكن قد آمن بعد وأي عجب فِي هذا؟ وقريب منه آنفاً قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين} [البقرة: 43] خطاباً لبني إسرائيل لا محالة.