35 -قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ} الآية. (اسكن الجنة) أي: اتخذها مأوى ومنزلا، وليس معناه: استقر في مكانك ولا تتحرك، وهذا اللفظ مشترك، يقال: أسكنه، أي: أزال حركته، وأسكنه مكان كذا، أي جعله مأوى ومنزلا له، والأول الأصل، قالوا: ومنه السكين، لأنه الآلة التي تسكن حركة الحيوان.
وقوله: (أنت) تأكيد للضمير الذي في الفعل، وإنما أكد به ليحسن العطف عليه، فإن العرب لا تكاد تعطف إلا على ظاهر، يقولون: اخرج أنت وزيد، ولا يكادون يقولون: اخرج وزيد، إلا في الضرورة، ومثله قوله: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ} [المائدة: 24] .
وقوله: {وَزَوْجُكَ} لفظه مذكر، ومعناه مؤنث، وذلك أن الإضافة تلزم هذا الاسم في أكثر الكلام، وكانت مبينة له فكان طرح الهاء أخف مع الاستغناء بدلالة الإضافة.
وكان الأصمعي يؤثر ترك الهاء في الزوجة، ويرى أن أكثر كلام العرب عليه. والكسائي على خلاف ذلك، والاختيار ما قاله الأصمعي، لأن القرآن كله عليه.
والمراد بقوله: {الْجَنَّةَ} جنة الخلد من قبل أن التعريف فيها بالألف واللام يجعلها كالعلم على جنة الخلد، فلا يجوز العدول عنها بغير دلالة، ألا ترى أنك لو قلت: نسأل الله الجنة، لم يكن ذلك إلا جنة الخلد.
وقوله تعالى: {وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا} . (الرّغَد) و (الرَّغْد) : سعة المعيشة،
يقال: عيش رَغَدٌ ورَغْدٌ. ورَغِدَ عيشهم أي: اتسع، قال امرؤ القيس:
بَيْنَما المَرْءُ تَرَاهُ نَاعِماً ... يَأْمَنُ الأحْدَاثَ فِي عَيْشٍ رَغَدْ
وقال ابن دريد: عيش رَاغِد ورَغَد ورَغِيد، والرَّغِيدَة: الزبدة، ويقال: أَرْغَد القوم إذا وقعوا في عيش رغد.
الليث: (الرغد) : أن يأكل ما شاء إذا شاء حيث شاء.
وقوله تعالى: {حَيْثُ شِئْتُمَا} . (حيث) بني على الضم تشبيها بالغاية، نحو: (قبل) و (بعد) وذلك أنه منع الإضافة إلى الاسم المفرد كما منعت الغاية الإضافية، فبني لأجل الشبه على الضم بالغاية، ونذكر الكلام في هذا بأبلغ من هذا الشرح عند قوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} .
وقوله: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} . قيل معناه: لا تقرباها بالأكل، لأن آدم عصى بالأكل منها، لا بأن قربها.
وقيل: إن النهي عن الأكل داخل في قوله: {وَلَا تَقْرَبَا} فهو نهي بأبلغ لفظ يكون.