[من روائع الأبحاث]
(فصل: في المواعظ والرقائق)
الْعُزْلَة حمية الْبدن والمناجاة قوت الْقلب وَمن أنس بمولاه استوحش من سواهُ
قال ابن الجوزي:
(يَا مُنْتَهى وحشتي وأنسي ... كن لي إِن لم أكن لنَفْسي)
(أوهمني فِي غَد نجاتي ... حلمك عَن سيئات أمسي)
خلق الْقلب طَاهِرا فِي الأَصْل فَلَمَّا خالطته شهوات الْحسن تكدر وَفِي الْعُزْلَة يرسب الكدر
الْحَيَوَان الْمُمَيز على ثَلَاثَة أَقسَام فالملائكة خلقت من صفاء لَا كدر فِيهِ، وَالشَّيَاطِين من كدر لَا صفاء فِيهِ، والبشر مركب من الضدين، فالعجب أَن تقوى عِنْده التَّقْوَى تقديس الْمَلَائِكَة يَدُور على ألسنة لَا تشتاق بالطبع إِلَى الفضول سبح تسبيحهم عُقُود مَا نظمتها كلف التَّكْلِيف تمرات زُرُوعهمْ نشأت لَا عَن تَعب سَقَاهَا سيح الْعِصْمَة فَكثر فِي زكوات تعبدهم قدر الْوَاجِب {وَيَسْتَغْفِرُونَ لمن فِي الأَرْض}
كَانَت أقدم تعبدهم سليمَة فاستبطئوا سير زمني الْهوى فَقيل إِذا رَأَيْتُمْ أهل الْبلَاء فَسَلُوا الله الْعَافِيَة
وَا عجَبا من منحدر فِي سفن التَّعَبُّد يستبطئ مصاعدا فِي الشمَال سمعُوا بِيُوسُف الْهوى وَمَا رَأَوْهُ فَأخذُوا يلومون زليخا الطَّبْع من حبس عتب {تراود فتاها} فَلَمَّا قَالَت الدُّنْيَا يَوْم هاروت وماروت {اخْرُج عَلَيْهِنَّ}
قطعُوا أكف الصَّبْر وَصَاح فِي تِلْكَ المواقف مَوَاقِف {أَتجْعَلُ فِيهَا} إِن للحرب رجَالًا خلقُوا ألهم أَنِين المذنبين أَو خلوف الصائمين أَو حرقة المحبين أما عب بَحر الْأَمَانَة يَوْم {إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة} توقفت الْمَلَائِكَة على السَّاحِل ونهضت عَزِيمَة الْآدَمِيّ لسلوك سَبِيل الْخطر بلَى لاقدام الْمُحب أَقْدَام
(يغلبني شوقي فأطوي السرى ... وَلم يزل ذُو الشوق مَغْلُوبًا)
لَا نحتاج أَن نناظر الْمَلَائِكَة بالأنبياء بل نقُول هاتوا لنا مثل عمر كل الصَّحَابَة هَاجرُوا سرا وَعمر هَاجر جَهرا وَقَالَ للْمُشْرِكين قبل خُرُوجه هَا أَنا على عزم الْهِجْرَة فَمن أَرَادَ أَن يلقاني فليلقني فِي بطن هَذَا الْوَادي فليت رجَالًا فِيك قد نذروا دمي مذ عزم عمر على طَلَاق الْهوى أحد أَهله عَن زِينَة الدُّنْيَا
(وعزمة بعثتها همة زحل ... من تحتهَا بمَكَان الترب من زحل)
لما ولى عمر بن عبد الْعَزِيز خير النِّسَاء فَقَالَ من شَاءَت فلتقم وَمن شَاءَت فلتذهب فَإِنَّهُ قد جَاءَ أَمر شغلني عنكن