{الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ الله} صفةٌ للفاسقين للذم وتقريرِ ما هم عليه من الفسق، والنقضُ فسخُ التركيب من المركبات الحسية كالحبْل والغزل ونحوهما، واستعمالُه فِي إبطال العهد من حيث استعارةُ الحبل له لما فيه من ارتباط أحدِ كلامي المتعاقدَيْن بالآخر، فإن شُفِعَ بالحبل وأريد به العهدُ كان ترشيحاً للمجاز، وإن قُرن بالعهد كان رمزاً إلى ما هو من روادفه وتنبيهاً على مكانه، وأن المذكور قد استُعير له كما يقال: شجاعٌ يفترس أقرانَه، وعالمٌ يغترف منه الناسُ تنبيهاً على أنه أسدٌ فِي شجاعته وبحرٌ فِي إفاضته، والعهدُ: المَوْثِقُ، يقال: عهِد إليه كذا إذا وصّاه به ووثّقه عليه والمرادُ ههنا إما العهدُ المأخوذُ بالفعل وهو الحجة القائمةُ على عباده الدالةُ على وجوده (تعالى) ووَحدتِه وصدقِ رسولِه عليه السلام، وبه أُوّل قولُه تعالى: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى} ، أو المعنى الظاهرُ منه أو المأخوذُ من جهة الرسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسولٌ مصدِّقٌ بالمعجزات صدّقوه واتبعوه ولم يكتُموا أمرَه وذِكرُه فِي الكتب المتقدمة ولم يخالفوا حُكمه كما ينبئ عنه قوله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب} ونظائرُه، وقيل: عهودُ الله تعالى ثلاثة، الأولُ ما أخذه على جميع ذريةِ آدمَ عليه السلام بأن يُقرّوا به وبربوبيته، والثاني ما أخذه على الأنبياء عليهم السلام بأن يُقيموا الدينَ ولا يتفرقوا فيه، والثالث ما أخذه على العلماء بأن يُبينوا الحقَّ ولا يكتموه.