فصل
قال الفخر:
قوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} يدل على أنه سبحانه وتعالى لا يمكن أن يكون خالقاً للأرض وما فيها وللسموات وما فيها من العجائب والغرائب إلا إذا كان عالماً بها محيطاً بجزئياتها وكلياتها، وذلك يدل على أمور: أحدها: فساد قول الفلاسفة الذين قالوا إنه لا يعلم الجزئيات وصحة قول المتكلمين، وذلك لأن المتكلمين استدلوا على علم الله تعالى بالجزئيات بأن قالوا: إن الله تعالى فاعل لهذه الأجسام على سبيل الإحكام والإتقان وكل فاعل على هذا الوجه فإن لا بدّ وأن يكون عالماً بما فعله وهذه الدلالة بعينها ذكرها الله تعالى فِي هذا الموضع لأنه ذكر خلق السماوات والأرض ثم فرع على ذلك كونه عالماً، فثبت بهذا أن قول المتكلمين فِي هذا المذهب وفي هذا الاستدلال مطابق للقرآن.
وثانيها: فساد قول المعتزلة وذلك لأنه سبحانه وتعالى بين أن الخالق للشيء على سبيل التقدير والتحديد لا بدّ وأن يكون عالماً به وبتفاصيله لأن خالقه قد خصه بقدر دون قدر والتخصيص بقدر معين لا بدّ وأن يكون بإرادة وإلا فقد حصل الرجحان من غير مرجح والإرادة مشروطة بالعلم فثبت أن خالق الشيء لا بدّ وأن يكون عالماً به على سبيل التفصيل.
فلو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بها وبتفاصيلها فِي العدد والكمية والكيفية فلما لم يحصل هذا العلم علمنا أنه غير موجد نفسه.
وثالثها: قالت المعتزلة: إذا جمعت بين هذه الآية وبين قوله: {وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76] ظهر أنه تعالى عالم بذاته، والجواب: قوله تعالى: {وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76] عام وقوله: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} [النساء: 166] خاص والخاص مقدم على العام. والله تعالى أعلم. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 146}
[فائدة]
قال أبو حيان:
{عليم} ؛ قد ذكرنا أنه من أمثلة المبالغة، وقد وصف تعالى نفسه بعالم وعليم وعلام، وهذان للمبالغة.