فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 34043 من 466147

قال - رحمه الله:

{هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعاً} بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى، فإنها خلقهم أحياء قادرين مرة بعد أخرى، وهذه خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم وتم به معاشهم. ومعنى {لَكُمْ} لأجلكم وانتفاعكم فِي دنياكم باستنفاعكم بها فِي مصالح أبدانكم بوسط أو بغير وسط، ودينكم بالاستدلال والاعتبار والتعرف لما يلائمها من لذات الآخرة وآلامها، لا على وجه الغرض، فإن الفاعل لغرض مستكمل به، بل على أنه كالغرض من حيث إنه عاقبة الفعل ومؤداه وهو يقتضي إباحة الأشياء النافعة، ولا يمنع اختصاص بعضها ببعض لأسباب عارضة، فإنه يدل على أن الكل للكل لا أن كل واحد لكل واحد. وما يعم كل ما فِي الأرض، إلا إذا أريد بها جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو. وجميعاً: حال من الموصول الثاني.

{ثُمَّ استوى إِلَى السماء} قصد إليها بإرادته، من قولهم استوى إليه كالسهم المرسل، إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء. وأصل الاستواء طلب السواء، وإطلاقه على الاعتدال لما فيه من تسوية وضع الأجزاء، ولا يمكن حمله عليه لأنه من خواص الأجسام وقيل استوى أي: استولى ومَلَكَ، قال:

قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ على العِرَاق ... مِنْ غَير سَيْفٍ ودَمٍ مُهْرَاقِ

والأول أوفق للأصل والصلة المعدى بها والتسوية المترتبة عليه بالفاء، والمراد بالسماء هذه الأجرام العلوية، أو جهات العلو، و {ثُمَّ} لعله لتفاوت ما بين الخلقين وفضل خلق السماء على خلق الأرض كقوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ} لا للتراخي فِي الوقت، فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى: {والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها} فإنه يدل على تأخر دحو الأرض المتقدم على خلق ما فيها عن خلق السماء وتسويتها، إلا أن تستأنف بدحاها مقدراً لنصب الأرض فعلاً آخر دل عليه {أَاَنتم أَشَدُّ خَلْقاً} مثل تعرف الأرض وتدبر أمرها بعد ذلك لكنه خلاف الظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت