واختلفوا فِي إبليس، هل كان من الملائكة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه كان من الملائكة، وهذا قول ابن عباس، وابن مسعود، وابن المسيب، وابن جريج، لأنه استثناء منهم، فَدَلَّ على دخوله منهم.
والثاني: أنه ليس من الملائكة، وإنما هو أبو الجن، كما أن آدم أبو الإنس، وهذا قول الحسن وقتادة وابن زيد، ولا يمتنع جواز الاستثناء من غير جنسه، كما قال تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتَّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: 157] وهذا استثناء منقطع.
واختُلِفَ فِي تَسْمِيتِهِ بإبليس على قولين:
أحدهما: أنه اسم أعجمي وليس بمشتقٍّ.
والثاني: أنه اسمُ اشتقاق، اشتُقَّ من الإبلاس وهو اليأس من الخَيْرِ، ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: 44] أي آيِسُونَ من الخير، وقال العجَّاجُ:
يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْماً مُكْرَساً ... قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ، وَأَبْلَسَا
فأمَّا من ذهب إلى أن إبليس كان من الملائكة، فاختلفوا فِي قوله تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ كان مِنَ الْجِنِّ} [50 الكهف] لِمَ سماه الله تعالى بهذا الاسم، على أربعة أقاويل:
أحدها: أنهم حي من الملائكة يُسَمَّوْن جنّاً كانوا من أشدِّ الملائكة اجتهاداً، وهذا قول ابن عباس.
والثاني: أنه جعل من الجنِّ، لأنه من خُزَّانِ الجنَّةِ، فاشتق اسمه منها، وهذا قول ابن مسعود.
والثالث: أنه سمي بذلك لأنه جُنَّ عن طاعة ربِّه، وهذا قول ابن زيدٍ.
والرابع: أن الجِنِّ لكلِّ ما اجْتَنَّ فلم يظهر، حتى إنهم سَمَّوُا الملائكة جناً لاستتارهم، وهذا قول أبي إسحاق، وأنشد قول أعشى بني ثعلبة:
لَوْ كَانَ حَيٌّ خَالِد أَوْ مُعَمَّراً ... لَكَانَ سُلَيْمَان البري مِنَ الدَّهْرِ