[من روائع الأبحاث]
ومن فوائد ولطائف ابن القيم:
(فصل لما سلم لآدَم أصل الْعُبُودِيَّة لم يقْدَح فِيهِ الذَّنب)
ابْن آدم لَو لقيتني بقراب الأَرْض خَطَايَا ثمَّ لقيتني لَا تشرك بِي شَيْئا لقيتك بقرابها مغْفرَة لما علم السَّيِّد أَن ذَنْب عَبده لم يكن قصدا لمُخَالفَته وَلَا قدحا فِي حكمته علمه كَيفَ يعْتَذر إِلَيْهِ {فَتَلَقَّى آدَمُ مت رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} العَبْد لَا يُرِيد بمعصيته مُخَالفَة سَيّده وَلَا الجرأة على مَحَارمه وَلَكِن غلبات الطَّبْع وتزيين النَّفس والشيطان وقهر الْهوى والثقة بِالْعَفو ورجاء الْمَغْفِرَة هَذَا من جَانب العَبْد وَأما من جَانب الربوبية فجريان الحكم وَإِظْهَار عز الربوبية وذل الْعُبُودِيَّة وَكَمَال الِاحْتِيَاج وَظُهُور آثَار الْأَسْمَاء الْحسنى
كالعفو والغفور والتوّاب والحليم لمن جَاءَ تَائِبًا نَادِما والمنتقم وَالْعدْل وَذي الْبَطْش الشَّديد لمن أصر وَلزِمَ المجرة فَهُوَ سُبْحَانَهُ يُرِيد أَن يرى عَبده تفرده بالكمال وَنقص العَبْد وَحَاجته إِلَيْهِ ويشهده كَمَال قدرته وعزته وَكَمَال مغفرته وعفوه وَرَحمته وَكَمَال بره وستره وحلمه وتجاوزه وصفحه، وَأَن رَحمته بِهِ إِحْسَان إِلَيْهِ لَا مُعَارضَة، وَأَنه إِن لم يتغمّده برحمته وفضله فَهُوَ هَالك لَا محَالة.
فَللَّه كم من تَقْدِير الذَّنب من حِكْمَة، وَكم فِيهِ مَعَ تَحْقِيق التَّوْبَة للْعَبد من مصلحَة وَرَحْمَة.
التَّوْبَة من الذَّنب كشرب الدَّوَاء للعليل وَرب عِلّة كَانَت سَبَب الصِّحَّة
لَعَلَّ عتبك مَحْمُود عواقبه ... وَرُبمَا صحت الأجساد بالعلل
لَوْلَا تَقْدِير الذَّنب هلك ابْن آدم من الْعجب ذَنْب يذل بِهِ أحب إِلَيْهِ من طَاعَة يدل بهَا عَلَيْهِ شمعة النَّصْر إِنَّمَا تنزل فِي شمعدان الانكسار لَا يكرم العَبْد نَفسه بِمثل إهانتها وَلَا يعزها بِمثل ذلها وَلَا يريحها بِمثل تعبها كَمَا قيل
سأتعب نَفسِي أَو أصادف رَاحَة ... فإن هوان النَّفس فِي كرم النَّفس
وَلَا يشبعها بِمثل جوعها وَلَا يؤمنها بِمثل خوفها وَلَا يؤنسها بِمثل وحشتها من كل مَا سوى فاطرها وبارئها وَلَا يُحْيِيهَا بِمثل أمانتها كَمَا قيل
موت النُّفُوس حياتها ... من شَاءَ أَن يحيا يَمُوت