قال - رحمه الله:
{وإذ} من قوله: {وإذ قلنا} معطوف على {إذ} المتقدمة.
وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرر قديم فِي الأزل، بشرط وجودهم وفهمهم، وهذا هو الباب كله فِي أوامر الله سبحانه ونواهيه ومخاطباته و {قلنا} كناية العظيم عن نفسه بلفظ الجمع، وقوله للملائكة عموم فيهم.
وقرأ أبو جعفر بن القعقاع:"للملائكةُ اسجدوا"برفع تاء للملائكة إتباعاً لضمة ثالث المستقبل.
قال أبو علي:"وهذا خطأ".
وقال الزجاج:"أبو جعفر من رؤساء القرأة ولكنه غلط فِي هذا".
قال أبو الفتح: لأن الملائكة فِي موضع جر فالتاء مكسورة كسرة إعراب، وهذا الذي ذهب إليه أبو جعفر إنما يجوز إذا كان ما قبل الهمزة حرفاً ساكناً صحيحاً، نحو قوله تعالى: {وقالت أخرج عليهن} [يوسف: 31] والسجود فِي كلام العرب الخضوع والتذلل، ومنه قول الشاعر [زيد الخيل] : [الطويل]
ترى الأُكْمَ فيهِ سُجَّداً للحوافرِ ... وغايته وضع الوجه بالأرض، والجمهور على أن سجود الملائكة لآدم إيماء وخضوع، ذكره النقاش وغيره، ولا تدفع الآية أن يكونوا بلغوا غاية السجود.
قوله تعالى: {فقعوا له ساجدين} [الحجر: 29] لا دليل فيه لأن الجاثي على ركبتيه واقع.
واختلف فِي حال السجود لآدم، فقال ابن عباس:"تعبدهم الله بالسجود لآدم، والعبادة فِي ذلك لله".
وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس:"إنما كان سجود تحية كسجود أبوي يوسف عليه السلام، لا سجود عبادة".
وقال الشعبي:"إنما كان آدم كالقبلة، ومعنى لآدم إلى آدم".
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفي هذه الوجوه كلها كرامة لآدم عليه السلام.
وحكى النقاش عن مقاتل:"أن الله إنما أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يخلقه".
قال:"والقرآن يرد على هذا القول".
وقال قوم: سجود الملائكة كان مرتين، والإجماع يرد هذا.
وقوله تعالى: {إلا إبليس} نصب على الاستثناء المتصل، لأنه من الملائكة على قول الجمهور، وهو ظاهر الآية، وكان خازناً وملكاً على سماء الدنيا والأرض، والأرض، واسمه عزازيل، قاله ابن عباس.
وقال ابن زيد والحسن:"هو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر، ولم يكن قط ملكاً".
وقد روي نحوه عن ابن عباس أيضاً، قال:"واسمه الحارث".