قال - رحمه الله:
{هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعاً} معطوف على قوله تعالى: {وَكُنتُمْ} [البقرة: 28] وترك الحرف إما لكونه كالنتيجة له أو للتنبيه على الاستقلال فِي إفادة ما أفاده، وذكر أنه بيان نعمة أخرى مترتبة على الأولى، وأريد بترتبها أن الانتفاع بها يتوقف عليها فإن النعمة إنما تسمى نعمة من حيث الانتفاع بها، و {هُوَ} لغير المتكلم والمخاطب، وفيه لغات: تخفيف الواو مفتوحة؛ وحذفها فِي الشعر، وتشديدها لهمدان، وتسكينها لأسد وقيس، و {هُوَ} عند أهل الله تعالى اسم من أسمائه تعالى ينبئ عن كنه حقيقته المخصوصة المبرأة عن جميع جهات الكثرة، و {هُوَ} اسم مركب من حرفين الهاء والواو، والهاء أصل، والواو زائدة بدليل سقوطها فِي التثنية والجمع فليس فِي الحقيقة إلا حرف واحد دال على الواحد الفرد الذي لا موجود سواه وكل شيء هالك إلا وجهه، ولمزيد ما فيه من الأسرار اتخذه الأجلة مداراً لذكرهم وسراجاً لسرهم، وهو جار مع الأنفاس، ومسماه غائب عن الحدس والقياس، وفي {جَعَلَ} الضمير مبتدأ والموصول خبراً من الدلالة على الجلالة ما لا يخفى، وتقديم الظرف على المفعول الصريح لتعجيل المسرة واللام للتعليل والانتفاع أي: خلق لأجلكم جميع ما فِي الأرض لتنتفعوا به فِي أمور دنياكم بالذات أو بالواسطة وفي أمور دينكم بالاستدلال والاعتبار.
واستدل كثير من أهل النسة الحنفية والشافعية بالآية على إباحة الأشياء النافعة قبل ورود الشرع، وعليه أكثر المعتزلة، واختاره الإمام فِي"المحصول"، والبيضاوي فِي"المنهاج."