واعلم أن قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله} وإن كان بصورة الاستخبار فالمراد به التبكيت والتعنيف، لأن عظم النعمة يقتضي عظم معصية المنعم، يبين ذلك أن الوالد كلما عظمت نعمته على الولد بأن رباه وعلمه وخرجه وموله وعرضه للأمور الحسان، كانت معصيته لأبيه أعظم، فبين سبحانه وتعالى بذلك عظم ما أقدموا عليه من الكفر، بأن ذكرهم نعمه العظيمة عليهم ليزجرهم بذلك عما أقدموا عليه من التمسك بالكفر ويبعثهم على اكتساب الإيمان، فذكر تعالى من نعمه ما هو الأصل فِي النعم وهو الأحياء، فهذا هو المقصود الكلي، فإن قيل لم كان العطف الأول بالفاء والبواقي بثم؟ قلنا لأن الأحياء الأول قد يعقب الموت بغير تراخ، وأما الموت فقد تراخى عن الإحياء والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخياً ظاهراً. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 138}
{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ}
ثُني عنان الخطاب إلى الناس الذين خوطبوا بقوله آنفاً: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم} [البقرة: 21] ، بعد أن عقب بأفانين من الجمل المعترضة من قوله: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري} [البقرة: 25] إلى قوله: {الخاسرون} [البقرة: 27] .
وليس فِي قوله: {كيف تكفرون بالله} تناسب مع قوله: {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما} [البقرة: 26] وما بعده مما حكى عن الذين كفروا فِي قولهم: {ماذا أراد الله بهذا مثلاً} [البقرة: 26] حتى يكون الانتقالُ إلى الخطاب فِي قوله: {تكفرون} التفاتاً، فالمناسبة بين موقع هاته الآية بعد ما قبلها هي مناسبة اتحاد الغرض، بعد استيفاء ما تخلل واعترض.
ومن بديع المناسبة وفائق التفنن فِي ضروب الانتقالات فِي المخاطبات أن كانت العلل التي قرن بها الأمر بعبادة الله تعالى فِي قوله: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21] الخ هي العلل التي قرن بها إنكار ضد العبادة وهو الكفر به تعالى فِي قوله هنا: {كيف تكفرون بالله} فقال فيما تقدم: {الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 21] {الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء} [البقرة: 22] الآية وقال هنا: {وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون هو الذي خلق لكم ما فِي الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء} [البقرة: 29] وكان ذلك مبدأ التخلص إلى ما سيرد من بيان ابتداء إنشاء نوع الإنسان وتكوينه وأطواره.
فالخطاب فِي قوله: {تكفرون} متعين رجوعه إلى (الناس) وهم المشركون لأن اليهود لم يكفروا بالله ولا أنكروا الإحياء الثاني. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 367 - 368}