26 -قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا} الآية. قال ابن عباس في رواية أبي صالح: لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين قالوا: الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال فأنزل الله هذه الآية.
وقال الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه، وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله هذه الآية
قال أهل المعاني: قوله {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي} خرج على لفظهم، حيث قالوا: إن الله يستحي أن يضرب المثل بالذباب والعنكبوت، كقوله: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} [هود: 13] لما قالوا: إنه سحر مفترى.
وقال بعضهم: معنى قوله: {لَا يَسْتَحْيِي} هو أن الذي يستحيا منه ما يكون قبيحا في نفسه، ويكون لفعله عيب في فعله فأخبر الله سبحانه أن ضرب المثل منه ببعوضة فما فوقها ليس بقبيح ولا نقص ولا عيب، حتى يستحيا منه، فوضع: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَستَحِى أَن يَضرِبَ مَثَلاً} موضع ذلك، كأنه قيل: إن ما يضربه الله من المثل بالبعوض لا يستحيا منه، لأن حقيقة الاستحياء في وصفه لا يجوز، لأنه يخاف عيبا، ويستحيل في وصفه أن يحذر نقصًا.
وقيل: معنى: {لَا يَسْتَحْيِي} : لا يترك، لأن أحدنا إذا استحيا من شيء تركه، ومعناه أن الله لا يترك ضرب المثل ببعوضة فما فوقها إذا علم أن فيه عبرة لمن اعتبر، وحجة على من جحد. وقيل: معناه (لا يخشى) والخشية والاستحياء يقوم أحدهما مقام الآخر كقوله: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37] ، أي تستحي الناس] والله أحق أن تستحيي منه، وهذا اختيار محمد بن جرير.
قال أهل اللغة: أصل الاستحياء من الحياة، واستحيا الرجل لقوة الحياة فيه، لشدة علمه بمواقع العيب، فالحياء من قوة الحس ولطفه وقوة الحياة.
وقوله تعالى: {أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا} الضرب في المثل مستعار، ومعناه التسيير للمثل، والجعل لها يسير في البلاد، وذكرنا معنى المثل مستقصى فيما تقدم.
وقوله تعالى: {مَا بَعُوضَةً} . النصب في بعوضة من جهتين، أحدهما: أن تكون (ما) زائدة، كأنه قال: إن الله لا يستحيي أن يضرب بعوضة مثلا، ومثلا بعوضة، و (ما) زائدة مؤكدة كقوله {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 159] فـ (ما) في التوكيد بمنزلة (حق) إلا أنه لا إعراب لها.