قوله - جلَّ جلالُه -: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا...) يقول: أهل يهود في ردهم ما
جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى جميع المرسلين كمثل مستوقد نارًا كانوا على هداية
نبوتهم، ولما جاء عيسى كفروا به، ومثل اليهود والنصارى معًا كالمستوقد النار
(فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) وبلغت إلى حد الانتفاع بها أطفوها بردهم ما جاءهم به
محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ فأذهب الله نورهم الذي كان لهم والذي كان يتم به نورهم(وَتَرَكَهُمْ فِي
ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ)سبيل هدايتهم.
(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) إلى هداية فطرتهم، ولا إلى
حيث فقدوا نورهم فيصلحون ما أفسدوه.
قوله تعالى: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) شبه ظلمات
كفرهم لما أطفوا نورهما فأظلم عليهم ما هم فيه بظلمة السحاب الممطر الشديد
المطر، وفيه الرعد والبرق، فالرعد مثل لخوفهم وعيد الله، ووعيد المؤمنين ما يأتي
به القرآن المشبه بالمطر الذي هو [الحياة] ، وفد احتواه الوعيد والرهب، وقد كان
المطر تكوَّن في حقهم [حياة] لو آمنوا (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) فرقًا(مِنَ
الصَّوَاعِقِ)عند صوت الرعد (حَذَرَ الْمَوْتِ) وهذا مثل لخوفهم من
التعريض والتصريح بهم في الوحي، والأمر بمجانبتهم وذمهم، ومخافة إطلاق
الأيدي عليهم.
(كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ) البرق (مَشَوْا فِيهِ) جعل مدة إضاءة البرق لهم
كمدة خطرات الهداية لهم أعني: اليهود والمنافقين، كلما خطر لهم الهدى اتبعوه،
وكلما صحبتهم العافية من القتل والسبي والموت الذي لا بد منه عاشوا به.
وقد يكون معنى قوله الحق: (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ) أي: عاشوا(وَإِذَا
أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا)أي: ماتوا شبه مدة بقائهم في الدنيا إلى طول مقامهم في
الآخرة بخطرة البرق، وزواله بزوال الحياة والعافية عنهم.
والظلمة بعد البرق أشد إظلامًا، وكان هذا إنذار منه لهم بما أصابهم من