قَوْلُه تَعَالَى: (إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيي أَنْ يَضْربَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذينَ
آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ منْ رَبّهمْ وَأَمَّا الَّذينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بهذا مَثَلًا
يُضلُّ به كَثيرًا وَيَهْدي به كَثيرًا وَما يُضلُّ به إلَّا الْفاسقينَ (26)
قوله: (لما كانت الآيات السابقة متضمنة لأنواع من التمثيل) إشَارَة إلَى وجه ارتباط
هذه الآية بما قبلها وإلى رد من قال كالفراء ليس في البقرة ما يكون المثل جوابًا له، فعلى
هذا هُوَ ابتداء كلام لا ارتباط له بما قبله فبين ارتباطه بوجين ردا له. الأول قوله لما كانت
الآيات الخ. أي سبق في النظم الجليل تمثيلات أي التشبيهات بأنواعها بأن يكون في المفرد
كما في قوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبهمْ) الآية. أو في المركب كما في ذلك
الْقَوْل أَيْضًا عَلَى تقدير آخر فإن فيه اسْتعَارَة في المفرد أو في الهيئة المتضمنة للتشبيه، وكذا
في قَوْله تَعَالَى: (يخادعون الله) الآية. وقَوْلُه تَعَالَى (مثلهم كمثل الذي
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: لما كانت الآيات السابقة الخ. يريد به بأن الارتباط النظم قيل في تحقيقه إنه لما
ذكر الْكتَاب ومن انتفع به ومن لم ينتفع به وأردفه بما عليه أساس الْكتَاب وهو إثبات وجود
الصانع بصفات الحلال والإكرام وزينه بإثبات حقية الْكتَاب ونبوة من أتى له لئلا يكون خطابيًا
محضًا ورتب عليه وعيد المنكر ووعد المقر. ذكر بعض شبه المنكرين مع الْجَوَاب عنها تنبيهًا
على أن إزالة الريب أن فرض اعتراؤه لمسترشد وساقه مساق أمر واضح البطلان غير خافٍ.
الْجَوَاب عَلَى ذي بصيرة دلالة عَلَى أن كل ما يدخل به من الشبه من هذا القبيل وفيه توضيح
لما ذكره من قبيل من اخْتصَاص المتقين بكونه هدى لهم دون غيرهم بذكر صورة من صوره
وتقريرها أنه جاء في الْقُرْآن ذكر النحل والذباب والعنكبوت، وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام
البلغاء فَكَيْفَ يكون في كلام الله. وتحقيق الْجَوَاب أن صغر هذه الأشياء وحقارتها لا يقدح في
البلاغة بل في الإعجاز إذا ذكرت لحكمة، ولما كان التمثيل لبيان حال الممثل له اعتبر بها فإن
كان الممثل حقيرًا وجب التمثيل بالمحقرات، ولا حال أحقر من حال الآلهة التي جعلوها لله
أندادًا فلا يستنكر التمثيل لها بالبعوضة، وليس الْمُرَاد بالمثل الاسْتعَارَة التمثيلية بل أعم منها
ومن التشبيه التمثيلي، وحِينَئِذٍ سقط ما قبل المُسْتَعَار في التمثيل إذا كان قولا سائرًا يشبه مضربه
بمورده يسمى مثلًا وإن لم يكن لمضربه مورد يسمى تمثيلًا وليس لهذه التقيلات موارد فَكَيْفَ
سماها مثلًا فنظم هذه الآية بما قبلها كنظم قوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهمْ)
بما تقدمه في كونها جملة مستطردة إلا أنها أفعالهم وهذه أقوالهم.