وذلك فضلا عن كون أصحابها لا يستقيمون عليها، إنما تعتل نفوسهم ويفسدون:
(( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون ) ) (1) .
وفى الوقت ذاته، فإن الاستغراق فِي المتاع الأرضى ونسيان الآخرة فتنة ضخمة يتعرض لها الإنسان إذا ترك نفسه على هواها، فينتهى به الأمر إلى البوار، لأنه لا يقف فِي إشباع رغباته وشهواته عند الحد المأمون، وإنما يتجاوزه بما يهلكه فِي الدنيا، ويجعل نصيبه فِي الآخرة هو النار!
والمنهج الربانى يقول للإنسان: لا تحرك نفسك من المتاع المتاح، ولكن التزم فيه بالحدود التي حددها الله، فكل شيء جعل الله له حدودا يعلم اللطيف الخبير أنها تحقق الخير وتمنع الشر، فأباح الطيبات وحرم الخبائث ودعا إلى عدم الإسراف حتى فِي المباح.. وفى الوقت ذاته، يركز المنهج الربانى تركيزا شديدا على اليوم الآخر، وما فيه من بعث ونشور، وحساب وجزاء، لأن اللطيف الخبير يعلم أن ذكرى اليوم الآخر هي الأداة الكبرى التي تساعد الإنسان على ضبط شهواته ورغباته، والوقوف بها عند الحلال الذي أحله الله، والقدر الذي أباحه الله؛ لأن القضية فِي حس المؤمن تصبح موازنة بين الإنسياق وراء الشهوات، ويقابلها فِي الآخرة عذاب لا قبل للإنسان باحتماله، والقناعة بالقدر المباح من المتاع، ويقابلها فِي الآخرة جنات فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فيقنع ويرضى، وتطمئن نفسه، ولا يشعر بالحرمان، فضلا عن الشعور بالرفعة والطهارة والارتقاء.
(( إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيماً(56) والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا )) (2) .
(1) سورة الحديد: 27
(2) سورة النساء: 56 ، 57