قال - رحمه الله:
قال الزمخشري: لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بذكر ضرب المثل زيادة فِي الكشف وتتميماً للبيان، ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي فِي إبراز خبيئات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل فِي صورة المحقق والمتوهم فِي معرض المتيقن والغائب بأنه مشاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد وقمع لسورة الجامح الآبي، ولأمر ما أكثر الله فِي كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله، وفشت فِي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام الأنبياء والحكماء، فقال الله تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العاملون} ومن سور الإنجيل سور الأمثال، انتهى كلامه.
ومثلهم: مبتدأ والخبر فِي الجار والمجرور بعده، والتقدير كائن كمثل، كما يقدر ذلك فِي سائر حروف الجر.
وقال ابن عطية: الخبر الكاف، وهي على هذا اسم، كما هي فِي قول الأعشى:
أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط...
كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
انتهى.
وهذا الذي اختاره ونبأ به غير مختار، وهو مذهب أبي الحسن، يجوز أن تكون الكاف اسماً فِي فصيح الكلام، وتقدم أنا لا نجيزه إلا فِي ضرورة الشعر، وقد ذكر ابن عطية الوجه الذي بدأنا به بعد ذكر الوجه الذي اختاره، وأبعد من زعم أن الكاف زائدة مثلها فِي قوله: فصيروا مثل: {كعصف مأكول} وحمله على ذلك، والله أعلم، أنه لما تقرر عنده أن المثل والمثل بمعنى، صار المعنى عنده على الزيادة، إذ المعنى تشبيه المثل بالمثل، لا يمثل المثل والمثل هنا بمعنى القصة والشأن، فشبه شأنهم ووصفهم بوصف المستوقد ناراً، فعلى هذا لا تكون الكاف زائدة.
وفي جهة المماثلة بينهم وبين الذي استوقد ناراً وجوه ذكروها: الأول: أن مستوقد النار يدفع بها الأذى، فإذا انطفأت عنه وصل الأذى إليه، كذلك المنافق يحقن دمه بالإسلام ويبيحه بالكفر.