{أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} إشارة إلى المنافقين الذين تقدم ذكرهم الجامعين للأوصاف الذميمة من دعوى الصلاح وهم المفسدون، ونسبة السفه للمؤمنين وهم السفهاء والاستهزاء وهم المستهزأ بهم ولبعد منزلتهم فِي الشر وسوء الحال أشار إليهم بما يدل على البعد، والكلام هنا يمكن أن يكون واقعاً موقع {أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ} [البقرة: 5] فإن السامع بعد سماع ذكرهم وإجراء تلك الأوصاف عليهم كأنه يسأل من أين دخل على هؤلاء هذه الهيئات؟ فيجاب بأن أولئك المستبعدين إنما جسروا عليها لأنهم اشتروا الضلالة بالهدى حتى خسرت صفقتهم وفقدوا الاهتداء للطريق المستقيم ووقعوا فِي تيه الحيرة والضلال، وقيل: هو فذلكة وإجمال لجميع ما تقدم من حقيقة حالم أو تعليل لاستحقاقهم الاستهزاء الأبلغ والمد فِي الطغيان أو مقرر لقوله تعالى: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ} [البقرة: 5 1] وفيه حصر المسند على المسند إليه لكون تعريف الموصول للجنس بمنزلة تعريف اللام الجنسي وهو ادعائي باعتبار كمالهم فِي ذلك الاشتراء، وإن كان الكفار الآخرون مشاركين لهم فِي ذلك لجمعهم هاتيك المساوئ الشنيعة والخلال الفظيعة، فبذلك الاعتبار صح تخصيصهم بذلك، والضلالة الجور عن القصد، والهدى التوجه إليه، ويطلقان على العدول عن الصواب فِي الدين والاستقامة عليه، والاشتراء كالشراء استبدال السلعة بالثمن أي أخذها به وبعضهم يجعله من الأضداد لأن المتبايعين تبايعا الثمن والمثمن فكل من العوضين مشترى من جانب مبيع من جانب، ويطلق مجازاً على أخذ شيء بإعطاء ما فِي يده عيناً كان كل منهما أو معنى، وهذا يستدعي بظاهره أن يكون ما يجري مجرى الثمن وهو الهدى حاصلاً لهؤلاء قبل، ولا ريب أنهم بمعزل عنه فإما أن يقال إن الاشتراء مجاز عن الاختيار لأن المشتري للشيء مختار له فكأنه تعالى قال: اختاروا الضلالة على الهدى ولكون الاستبدال ملحوظاً جئ بالباء