قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} أي للكافرين المكذبين {عَذَابٌ عظِيمٌ} نعته.
والعذاب مثل الضرب بالسوط والحرق بالنار والقطع بالحديد؛ إلى غير ذلك مما يؤلم الإنسان.
وفي التنزيل: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين} [النور: 2] وهو مشتق من الحبس والمنع؛ يقال فِي اللغة: أَعْذِبه عن كذا أي احبسه وامنعه؛ ومنه سمي عذوبة الماء؛ لأنها قد أعذبت.
واستعذب بالحبس فِي الوعاء ليصفو ويفارقه ما خالطه؛ ومنه قول عليّ رضي الله عنه: أَعْذِبُوا نساءكم عن الخروج؛ أي احبسوهن.
وعنه رضي الله عنه وقد سَيَّعَ سَرِيَّةً فقال: أَعْذِبُوا عن ذكر النساء أنفسكم فإن ذلك يَكْسِرُكم عن الغزو؛ وكل من منعته شيئاً فقد أعذبته؛ وفي المثل:"لألجمنّك لجاماً معذِباً"أي مانعاً عن ركوب الناس.
ويقال: أَعْذَبَ أي امتنع.
وَأَعْذَب غيره، فهو لازم ومتعدٍّ؛ فسمي العذاب عذاباً لأن صاحبه يحبس ويمنع عنه جميع ما يلائم الجسد من الخير ويهال عليه أضدادها. ى انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 1 صـ 192}
وقال أبو السعود:
{وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} وعيد وبيان لما يستحقونه فِي الآخرة والعذاب كالنَكال بناءً ومعنى، يقال: أعذب عن الشيء إذا أمسك عنه، ومنه الماءُ العذبُ لما أنه يقمَعُ العطش ويردَعه، ولذلك يسمى نُقاخاً، لأنه ينقَخُ العطشَ ويكسِرُه، وفرُاتاً لأنه يرفتُه على القلب ويكسره، ثم اتُسِع فيه فأطلق على كل ألمٍ فادح، وإن لم يكن عقاباً يُراد به ردْعُ الجاني عن المعاودة، وقيل: اشتقاقُه من التعذيب الذي هو إزالة العذاب، كالتقذية والتمريض. والعظيم نقيضُ الحقير، والكبير نقيضُ الصغير، فمن ضرورة كونِ الحقيرِ دونَ الصغير كونُ العظيم فوق الكبير، ويستعملان فِي الجُثث والأحداث. تقول: رجل عظيم وكبير، تريد جثتَه أو خطرَه، ووصفُ العذاب به لتأكيد ما يفيده التنكيرُ من التفخيم والتهويل والمبالغة فِي ذلك.