(مع النص الحكيم السامي)
(مناسبة الآية لما قبلها)
قال البقاعي:
ولما أخبر عن أفعالهم الظاهرة والباطنة أخبر بثمرتها فقال: {أولئك} أي الموصوفون بتلك الصفات الظاهرات، ولما تضمن ما مضى أن إيمانهم كان من أعظم استدلال فأثمر لهم التمسك بأوثق العرى من الأعمال استحقوا الوصف بالاستعلاء الذي معناه التمكن فقال: {على هدى} أي عظيم، وزاد فِي تعظيمه بقوله: {من ربهم} أي المحسن إليهم بتمكينهم منه ولزومهم له تمكين من علا على الشيء، ولما لم يلازم الهدى الفلاح عطف عليه قوله مشيراً بالعاطف إلى مزيد تمكنهم فِي كل من الوصفين {وأولئك} أي العالو الرتبه {هم} أي خاصة {المفلحون} أي الكاملون فِي هذا الوصف الذين انفتحت لهم وجوه الظفر، والتركيب دال على معنى الشق والفتح وكذا أخواته من الفاء والعين نحو فلج بالجيم وفلق وفلذ وفلى.
قال الحرالي: وخرج الخطاب فِي هذه الآية مخرج المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم ومخرج إحضار المؤمنين بموضع الإشارة وهي مكانة حضرة دون مكانة حضرة المخاطب. انتهى.
وكونها للبعد إعلام بعلو مقامهم.
والفلاح الفوز والظفر بكل مراد ونوال البقاء الدائم فِي الخير. انتهى انتهى. {نظم الدرر حـ 1 صـ 36}
وقال الفخر:
في كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه ثلاثة:
أحدها: أن ينوي الابتداء بِـ {الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب} [البقرة: 3] وذلك لأنه لما قيل: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2] فخص المتقين بأن الكتاب هدى لهم كان لسائل أن يسأل فيقول: ما السبب فِي اختصاص المتقين بذلك؟ فوقع قوله: {الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب} إلى قوله: {وأولئك هُمُ المفلحون} جواباً عن هذا السؤال، كأنه قيل: الذي يكون مشتغلاً بالإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والفوز بالفلاح والنجاة لا بدّ وأن يكون على هدى من ربه.
وثانيها: أن لا ينوي الابتداء به بل يجعله تابعاً {لّلْمُتَّقِينَ} ثم يقع الابتداء من قوله: {أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ} كأنه قيل أي سبب فِي أن صار الموصوفون بهذه الصفات مختصين بالهدى؟ فأجيب بأن أولئك الموصفين غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلاً وبالفلاح آجلاً.
وثالثها: أن يجعل الموصول الأول صفة المتقين ويرفع الثاني على الابتداء و {أولئك} خبره ويكون المراد جعل اختصاصهم بالفلاح والهدى تعريضاً بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند الله تعالى. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 31 - 32}