فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 27385 من 466147

(فصل)

قال السُّهْرَوَرْدي:

السخاء صفة الغريزة، وفي مقابلته الشح، والشح من لوازم صفة النفس. قال الله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر: الآية 9) حكم بالفلاح لمن يوقى الشح، وحكم بالفلاح لمن أنفق وبذل فقال: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} إلى قوله: {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}

والفلاح: أجمع اسم لسعادة الدارين، والنبي عليه السلام نبه بقوله «ثَلاَثٌ مُهْلِكَاتٌ ... وَثَلاَثٌ مُنْجِيَاتٌ» فجعل إحدى المهلكات شحاً مطاعاً، ولم يقل مجرد الشح يكون مهلكاً بل يكون مهلكاً إذا كان مطاعاً، فأما كونه موجوداً في النفس غير مطاع فإنه لا ينكر ذلك، لأنه من لوازم النفس مستمداً من أصل جبلتها التراب، وفي التراب قبض وإمساك، وليس ذلك بالعجب من الآدمي وهو جبلى فيه: وإنما العجب وجود السخاء في الغريزة، وهو لنفوس الصوفية الداعي لهم إلى البذل والإيثار والسخاء أتم وأكمل من الجود ففي مقابلة الجود البخل، وفي مقابلة السخاء الشح، والجود والبخل يتطرق إليهما الاكتساب بطريق العادة بخلاف الشح والسخاء إذا كان من ضرورة الغريزة، وكل سخي جواد، وليس كل جواد سخياً، والحق سبحانه وتعالى لا يوصف بالسخاء، لأن السخاء من نتيجة الغرائز والله تعالى منزه عن الغريزة، والجود يتطرق إليه الرياء ويأتي به الإنسان متطلعاً إلى عوض من الخلق أو الحق بمقابل ما من الثناء وغيره من الخلق والثواب من الله تعالى. والسخاء لا يتطرق إليه الرياء لأنه ينبع من النفس الزكية المرتفعة عن الأعواض دنيا وآخرة، لأن طلب العوض مشعر بالبخل لكونه معلولاً بطلب العوض، فما تمحض سخاء، فالسخاء لأهل الصفاء، والإيثار لأهل الأنوار ويجوز أن يكون قوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً} (الإنسان: الآية 9) أنه نفى في الآية الإطعام لطلب الأعواض حيث قال: {لاَ نُرِيدُ} بعد قوله {لِوَجْهِ اللَّهِ} فما كان لله لا يشعر بطلب العوض، بل الغريزة لطهارتها تنجذب إلى مراد الحق لا العوض، وذلك أكمل السخاء من أطهر الغرائز.

روت أسماء بنت أبي بكر قالت: قلت يا رسول الله، ليس لي من شيء إلا ما أدخل علي الزبير فأعطي؟ قال: «نَعَمْ، لاَ تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْكِ» . انتهى انتهى {عوارف المعارف، للسُّهْرَوَرْدي} ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت