(فصل آخر: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)
{ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ... (2) }
ومنه على سبيل النفي قول الله تعالى في شأن القرآن الكريم: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} فإن معناه أن القرآن ليس محل شك، وهذا حكم ينكره المخاطبون من الكفار، فكان مقتضى الظاهر التأكيد، ولكن القرآن لم يعبأ بإنكارهم فنزلهم منزلة غير المنكرين؛ لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لأحد أن يرتاب فيه، ولذلك جاء الخبر خاليًا من التوكيد تنزيلًا لإنكارهم منزلة عدمه، وفي ذلك من توهين حجة الخصم ما لا يخفى على المتأمل.
ولعلك تلاحظ معي أن المنكر قد نزل منزلة خالي الذهن في الأمثلة المذكورة، وقد ينزل المنكر منزلة المتردد، وهذه صورة متفرعة عن صور تنزيل المنكر منزلة غير المنكر؛ لأن غير المنكر يشمل المتردد، كما يشمل خالي الذهن. وخذ مثلًا قول الله تعالى في تنزيل المنكر منزلة المتردد: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} (المؤمنون: 16) فهم ينكرون البعث ويستبعدونه، ومع ذلك فقد أكده تأكيدًا واحدًا، بينما أكد إثبات الموت في الآية السابقة عليها تأكيدين؛ ولعل السبب في ذلك أنه لما كانت أدلة البعث ظاهرة كان جديرًا بألا ينكره أحد، بل إما أن يعترف به أو يتردد فيه، فنزل المخاطبون منزلة المترددين تنبيهًا لهم على ظهور أدلته وحثًّا على النظر فيه، كذا ذكره الخطيب في (الإيضاح) . وهذه هي أهم مواقع الإخراج على خلاف مقتضى الظاهر، وهي لا تحسن إلا إذا كان المتكلم بليغًا والمخاطب ذا ذوق رفيع وحس مرهف وعقل واع بجمال هذه الأساليب.
قال الخطيب القزويني في (الإيضاح) مع البغية: وربما جُعل البعد ذريعة إلى التعظيم كقوله تعالى: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ} (البقرة: 1، 2) ذهابًا إلى بعد درجته ونحوه: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا} (الزخرف: 72) ولذا قالت: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} ولم تقل: فهذا وهو حاضر؛ رفعًا لمنزلته في الحسن، وتمهيدًا للعذر في الافتتان به، وقد يجعل ذريعة إلى التحقير كما يقال: ذلك اللعين فعل كذا.
وقول الله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} (البقرة: 2) . أي: هو هدى. فتنكير المسند: {هُدًى} أفاد تعظيم هداية القرآن، وتفخيمها، وأنها بلغت درجة لا يمكن إدراك كنهها.