(من أحكام الصَّلاة)
(القبلة)
1 -قوله عزَّ وجلَّ: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 115] .
أقول:
اختلفَ أهلُ العلمِ في هذه الآيةِ اختلافًا كثيرًا، فمنهم من أَوَّلَها، ومنهم منْ خَصّصَها، ومنهم من جَعَلَها ناسِخَةً، ومنهم من جعلها منسوخةً:
-فقال مالك وأصحابه: هي منسوخةً بقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144] .
ورويَ القولُ بهذا عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -، رواه الترمذي، وأنه كان يجوزُ للرجلِ أن يصليَ حيثُ شاءَ.
وأما المُؤَوِّلونَ، - فاختلفوا أيضًا:
فقال مجاهد والحسنُ: لما نزلت: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] ، قالوا: أينَ ندعوهُ؟ فأنزل الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] ، هكذا نقل البَغَوِيُّ.
وقال بعضهم: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا} معناه: فأيَّ مكانٍ تصلون فيه، فثمَّ وجهُ الله، فقد جُعِلَتْ لكمُ الأرضُ مسجدًا.
وقال بعضُ أصحابِ المعاني: هيَ مخصوصةٌ بالنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حين صَلَّى على النجاشِي، واستقبلَ جهتَهُ.
وأما المخصصون بالمصلين، فقال ابنُ عباسٍ - رضي الله تعالى
عنهما: خرجَ نفرٌ من أصحاب رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في سَفَر قَبْلَ تحويلِ القِبْلَةِ إلى الكعبةِ، فأصابَ الناسَ ضبابٌ، وحضرتِ الصلاةُ، فتحرَّوا القبلةَ وصلَّوا، فلما ذهبَ الضبابُ، استبانَ لهم أنهم لم يُصيبوا، فلما قَدِموا، سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فنزلت هذه الآية.
ورُوي نحوُه عن عامرِ بنِ ربيعةَ، ولكنَّه لم يقل: قَبْلَ تحويلِ الِقْبَلةِ، وذكر أن فيهم رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، ويُروى هذا القولُ عن النَّخَعِيِّ، لكنْ قالَ الترمذيُّ في حديث عامرِ بنِ ربيعةَ: ليس إسنادهُ بذلك القويِّ، لا نعرفهُ إلا من حديثِ أَشْعَثَ السَّمَّانِ، وأشعثُ بنُ سعيدٍ أبو الربيعِ يُضَعَّفُ في الحديث.
وثبتَ في"صحيح مسلمٍ"عن ابنِ عمر - رضيَ اللهُ تعالى عنهما: أنها نزلتْ في المسافِرِ يُصلي التطوُّعَ حيثما توجهتْ به راحلتُه. قالَ البيهقيُّ: هذا أصحُّ ما رُويَ في نزول هذه الآية.