وقوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضًا} الآية [البقرة: 283] .
قد استدل بعضهم بهذه الآية في مسألة اختلاف المتبايعين للسلعة إذا اختلفا في أجل الثمن على المبتاع إذا قبض السلعة، فإن القول قوله سواء أقر له البائع أم لا؟. وفي المسألة اختلاف كثير. وكذلك اختلفا في عدد الثمن قال: لأن القبض ائتمان فإذا دفع السلعة إلى المبتاع ولم يتوثق بالشهادة وجب أن يكون القول قوله.
قوله تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} الآية [البقرة: 284] .
اختلف في هذه المسألة هل هي منسوخة أم محكمة. والذين ذهبوا إلى أنها منسوخة قالوا لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} فنسخ بهذه الآية تلك.
وهذا قول ابن عباس، وأبي هريرة، والشعبي، وغيرهم. والذبن ذهبوا إلى أنها محكمة اختلفوا في تأويلها. فقال بعضهم: هي في كتمان الشهادة وإظهارها وهو قول ابن عباس والشعبي أيضًا وعكرمة وغيره.
فهذان قولان للشعبي في الآية. وقال آخرون: معناها أن الله تعال يحاسب خلقه على ما عملوا وعلى ما لم يعملوا بما ثبت في نفوسهم وأضمروه
ونووه وأرادوه، فيغفر للمؤمنين، ويؤاخذ بها أهل الكفر والنفاق. وهذا القول أيضًا لابن عباس. فهذه ثلاثة أقوال لابن عباس في الآية. وقال مجاهد: الآية قيما يطرأ على النفوس من الشك واليقين. وقال آخرون: ما هم الرجل له من الذنوب في الدنيا عوقب به على ذلك بما يصيبه من الهم الحزن. وهذا القول لعائشة. والأحسن في الآية أن لا تكون منسوخة لانها خبر، والأخبار لا تنسخ إلا أن تكون الآية الثانية إنما نسخت الشدة اللاحقة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الأولى فيكون من قولهم نسخت الريح الأمر أي أزالته. ومن قولهم نسخت الشمس الظل إذا أزالته وحلت محله.
فكأن اللين الذي في الآية الأخرى أزال الشدة التي في الأولى وحل محلها والله تعالى أعلم. انتهى انتهى {أحكام القرآن، لابن الفرس الأندلسي. 1/} ...