فإن قيل لم نكرت الجنات وعرفت الأنهار؟
الجواب: أما الأول فلأن الجنة اسم لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنات كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات العاملين لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنات، وأما تعريف الأنهار فالمراد به الجنس كما يقال لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب يشير إلى الأجناس التي فِي علم المخاطب، أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة فِي قوله: {فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} [محمد: 15] وأما قوله: {كُلَّمَا رُزِقُواْ} فهذا لا يخلو إما أن يكون صفة ثانية لجنات.
أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة لأنه لما قيل: إن لهم جنات لم يخل قلب السامع أن يقع فيه أن ثمار تلك الجنات أشباه ثمار الدنيا أم لا؟. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 118 - 119}
و {جنات} جمع جنة، وهي بستان الشجرة والنخيل، وبستان الكرم يقال له الفردوس، وسميت جنة لأنها تجن من دخلها أي تستره، ومنه المجن والجنن وجن الليل، و {من تحتها} معناه من تحت الأشجار التي يتضمنها ذكر الجنة وقيل قوله {من تحتها} معناه بإزائها كما تقول داري تحت دار فلان وهذا ضعيف، و {الأنهار} المياه فِي مجاريها المتطاولة الواسعة، لأنها لفظة مأخوذة من أنهرت أي سعت، ومنه قول قيس بن الخطيم: [الطويل] .
ملكت بها كفي فأنْهَرْتَ فَتْقَها ... يَرَى قَائِمٌ من دونِها ما وراءَها
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:"ما أنهر الدم وذكرَ اسمُ الله عليه فكلوه"معناه ما وسع الذبح حتى جرى الدم كالنهر ونسب الجري إلى النهر وإنما يجري الماء وحده تجوزاً، كما قال {واسأل القربة} [يوسف: 82] وكما قال الشاعر: [مهلهل أخو كليب] [الكامل]
نُبِّئْتُ أن النارَ بعدَك بعدَك أوقدتْ ... واستبّ بعدك يا كليبُ المجلسُ