فإن قالوا: العقل لا يحيل ذلك وليس فِي السمع ما يمنع منه.
أقوى السمْعِ الإجماعُ، وقد وُجد على المنع. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 1 صـ 364 - 374} . بتصرف يسير.
فصل
قال القرطبي:
قوله تعالى: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} قد علمنا قطعاً أن الملائكة لا تعلم إلا ما أعْلِمت ولا تَسبِق القول، وذلك عام فِي جميع الملائكة؛ لأن قوله: {لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول} خرج على جهة المدح لهم، فكيف قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} ؟ فقيل: المعنى أنهم لما سمعوا لفظ خليفة فهموا أن فِي بني آدم من يفسد؛ إذ الخليفة المقصود منه الإصلاح وترك الفساد، لكن عمّموا الحكم على الجميع بالمعصية؛ فبيّن الربّ تعالى أن فيهم من يفسد ومن لا يفسد فقال تطييباً لقلوبهم: {إني أَعْلَمُ} وحقّق ذلك بأن علّم آدم الأسماء، وكشف لهم عن مكنون علمه.
وقيل: إن الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء.
وذلك لأن الأرض كان فيها الجن قبل خلق آدم فأفسدوا وسفكوا الدماء، فبعث الله إليهم إبليس فِي جند من الملائكة فقتلهم وألحقهم بالبحار ورؤوس الجبال، فمن حينئذ دخلته العِزّة.
فجاء قولهم:"أتَجْعَلُ فِيهَا"على جهة الاستفهام المحض: هل هذا الخليفة على طريقة من تقدّم من الجن أم لا؟ قاله أحمد بن يحيى ثعلب.
وقال ابن زيد وغيره: إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذرّيته قوم يفسدون فِي الأرض ويسفكون الدماء؛ فقالوا لذلك هذه المقالة، إمّا على طريق التعجب من استخلاف الله من يعصيه أو مِن عِصيان الله من يستخلفه فِي أرضه ويُنعم عليه بذلك، وإمّا على طريق الاستعظام والإكبار للفصلين جميعاً: الاستخلاف والعصيان.