[من روائع الأبحاث]
ومن فوائد ولطائف ابن القيم:
{وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30) }
فالرب تعالى كان يعلم ما في قلب إبليس من الكفر والكبر والحسد ما لا يعلمه الملائكة. فلما أمرهم بالسجود ظهر ما في قلوب الملائكة من الطاعة والمحبة، والخشية والانقياد، فبادروا إلى الامتثال، وظهر ما في قلب عدوه من الكبر والغش والحسد. فأبى واستكبر وكان من الكافرين.
[لطيفة]
الله سبحانه مهد الأرض لآدم وذريته قبل خلقه فقال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً} وقضى أن يعرفه قدر المخالفة وأقام عذره بقوله: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ} وتداركه برحمته بقوله: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّه}
يا آدم لا تجزع من كأس خطإٍ كان سبب كيسك، فقد استخرج منك داء العُجب وألبسك رداء العبودية
"لو لم تذنبوا"
لا تحزن بقولي لك {اهْبِطُوا مِنْهَا} فلك خلقتُها، ولكن اخرج إلى مزرعة المجاهدة، واجتهد في البذر واسق شجرة الندم بساقية الدمع، فإذا عاد العود أخضر فعُدْ لما كان.
(فصل)
جوابه سبحانه لمن سأل عن التخصيص والتمييز الواقع في أفعاله بأنه لحكمة يعلمها هو سبحانه وإن كان السائل لا يعلمها كما أجاب الملائكة لما قال لهم: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} فقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} فأجابهم بقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ}
ولو كان فعله مجردا عن الحكم والغايات والمصالح لكان الملائكة أعلم به أن سألوا هذا السؤال ولم يصح جوابهم بتفرده بعلم ما لا يعلمونه من الحكم والمصلحة التي في خلق هذه الخليفة، ولهذا كان سؤالهم إنما وقع عن وجه الحكمة لم يكن اعتراضا على الرب تعالى ولو قدر أنه على وجه الاعتراض فهو دليل على علمهم أنه لا يفعل شيئا إلا لحكمة فلما رأوا أن خلق هذا الخليفة مناف للحكمة في الظاهر سألوه عن ذلك ومن هذا قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}