[من روائع الأبحاث]
(فصول مهمة)
قال شمس الدين أبو المظفر (سبط ابن الجوزي) :
(فصل في سجود الملائكة لآدم)
اختلفوا في سجودهم لآدم على أقوال:
أحدها: أنه سجود تعظيم وتحية لا سجود صلاة وعبادة كقوله في قصة يوسف عليه السَّلام {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يوسف: 100] ، وكان ذلك تحية للناس وتعظيم بعضهم بعضًا، ولم يكن وضع الوجه على الأرض، إنما كان انحناءً وإيماءً ووضع اليد على الصدر. وأصل السجود الانحناء والميل، يقال: سجَدَت النخلة إذا مالت.
فلمَّا جاء الإسلام أبطل ما كانوا يصنعونه وعوَّضهم بالسَّلام، ولما رَجعَ معاذٌ من اليمن، سَجدَ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فَتغيَّرَ وَجهُه وقال:"ما هذا يا معاذُ؟"فقال: رأيتُ اليَهودَ يَسجُدونَ لأحبارِهِم، والنَّصَارى لرُهبانِهم وقِسِّيسيهم، ففعلتُ مِثلَهم، وأنت أولى، فقال:"مَهْ يا معاذُ، كَذَبوا، إنما السُّجود لله تعالى". قاله ابن عباس.
والثاني: أنه كان سجودًا على الحقيقة لآدم، قاله مجاهد.
والثالث: أنه جعل آدم قبلةً لهم وسجودهم لله تعالى، كما جُعلت الكعبة قبلةً لصلاة المؤمنين، والصّلاة لله رب العالمين.
وقال ابن مسعود: سجدت الملائكة لآدم، وسجد هو لله تعالى.
وقال أبيُّ بن كعب: معنى سجودهم أنَّهم أقرُّوا لآدم أنه خير وأكرم على الله منهم.
وحدثنا يحيى بن الأَوَاني، بإسناده عن ضمرة بن ربيعة، عن قادم بن مسور قال: قال عمر بن عبد العزيز: لمّا أمر الله الملائكة بالسُّجود لآدم أوَّل من سجد له إسرافيل، فأثابه الله بأن كتب القرآن في جبهته [1] .
قوله تعالى: {إلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} [البقرة: 34] أي: امتنع وتعظَّم، و"كان"بمعنى صار في علم الله أنه من الذين وجبت عليهم الشقاوة.
[1] يقول ابن القماش:
يفتقر إلى سند صحيح. والله أعلم.