فصل
قال الفخر:
وأما قوله: {أفلا تعقلون} فهو تعجب للعقلاء من أفعالهم ونظيره قوله تعالى: {أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون} [الأنبياء: 67] وسبب التعجب وجوه، الأول: أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير إلى تحصيل المصلحة وتحذيره عما يوقعه فِي المفسدة، والإحسان إلى النفس أولى من الإحسان إلى الغير وذلك معلوم بشواهد العقل والنقل فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله العقل فلهذا قال: {أفلا تعقلون} .
الثاني: أن من وعظ الناس وأظهر علمه للخلق ثم لم يتعظ صار ذلك الوعظ سبباً لرغبة الناس فِي المعصية لأن الناس يقولون أنه مع هذا العلم لولا أنه مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات وإلا لما أقدم على المعصية فيصير هذا داعياً لهم إلى التهاون بالدين والجراءة على المعصية، فإذا كان غرض الواعظ الزجر عن المعصية ثم أتى بفعل يوجب الجراءة على المعصية فكأنه جمع بين المتناقضين، وذلك لا يليق بأفعال العقلاء، فلهذا قال: {أفلا تعقلون} .
الثالث: أن من وعظ فلا بد وأن يجتهد فِي أن يصير وعظه نافذاً فِي القلوب.
والإقدام على المعصية مما ينفر القلوب عن القبول، فمن وعظ كان غرضه أن يصير وعظه مؤثراً فِي القلوب، ومن عصى كان غرضه أن لا يصير وعظه مؤثراً فِي القلوب.
فالجمع بينهما متناقض غير لائق بالعقلاء، ولهذا قال علي رضي الله عنه: قصم ظهري رجلان: عالم متهتك وجاهل متنسك. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 3 صـ 44}
وقال ابن عاشور:
وقوله: {أفلا تعقلون} استفهام عن انتفاء تعقلهم استفهاماً مستعملاً فِي الإنكار والتوبيخ نزلوا منزلة من انتفى تعقله فأُنكر عليهم ذلك، ووجه المشابهة بين حالهم وحال من لا يعقلون أن من يستمر به التغفل عن نفسه وإهمال التفكر فِي صلاحها مع مصاحبة شيئين يذكرانه، قارب أن يكون منفياً عنه التعقل.
وفعل {تعقلون} منزل منزلة اللازم أو هو لازم.
وفي هذا نداء على كمال غفلتهم واضطراب حالهم.
وكون هذا أمراً قبيحاً فظيعاً من أحوال البشر مما لا يشك فيه عاقل. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 461}