قال مكيّ: المواعدة أصلها من اثنين، وقد تأتي المفاعلة من واحد فِي كلام العرب؛ قالوا: طارقت النّعل، وداويت العليل، وعاقبت اللص؛ والفعل من واحد.
فيكون لفظ المواعدة من الله خاصة لموسى كمعنى وعدنا؛ فتكون القراءتان بمعنىً واحد.
والاختيار {وَاعَدْنَا} بالألف لأنه بمعنى"وعدنا"فِي أحد معنييه، ولأنه لا بدّ لموسى من وعد أو قبول يقوم مقام الوعد فتصح المفاعلة.
قال النحاس: وقراءة {وَاعَدْنَا} بالألف أجود وأحسن، وهي قراءة مجاهد والأعرج وابن كثير ونافع والأعمش وحمزة والكسائي؛ وليس قوله عز وجل: {وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات} من هذا فِي شيء؛ لأن {وَاعَدْنَا موسى} إنما هو من باب الموافاة؛ وليس هذا من الوعد والوعيد فِي شيء، وإنما هو من قولك: موعدك يوم الجمعة، وموعدك موضع كذا.
والفصيح فِي هذا أن يقال: واعدته.
قال أبو إسحاق الزجاج: {واعدنا} ها هنا بالألف جيّد؛ لأن الطاعة فِي القبول بمنزلة المواعدة؛ فمن الله جل وعز وَعْد، ومن موسى قبول واتباع يجري مجرى المواعدة.
قال ابن عطية.
ورجّح أبو عبيدة"وعدنا"وليس بصحيح؛ لأن قبول موسى لوعد الله والتزامه وارتقابه يشبه المواعدة. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 1 صـ 394}
اعلم أن هذا هو الإنعام الثالث.
فأما قوله تعالى: {وَإِذْ واعدنا} فقرأ أبو عمرو ويعقوب وإذ وعدنا موسى بغير ألف فِي هذه السورة وفي الأعراف وطه وقرأ الباقون واعدنا بالألف فِي المواضع الثلاثة، فأما بغير ألف فوجهه ظاهر لأن الوعد كان من الله تعالى، والمواعدة مفاعلة ولا بد من اثنين، وأما بالألف فله وجوه، أحدها: أن الوعد وإن كان من الله تعالى فقبوله كان من موسى عليه السلام وقبول الوعد يشبه الوعد، لأن القابل للوعد لا بد وأن يقول أفعل ذلك، وثانيها: قال القفال: لا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله ويكون معناه يعاهد الله.