قال نظام الدين النيسابوري:
التأويل: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية الروحانية {اسجدوا لآدم} بخلاف الطبيعة تعبداً ورقاً وانقياداً للأمر وامتثالاً للحكم، اسجدوا له تعظيماً لشأن خلافته وتكريماً لفضيلته المخصوصة به، فمن سجد له فقد سجد لله تعالى كما قال {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} اسجدوا لآدم لأجل آدم فإن عبادتكم وطاعتكم لا توجب ثواباً لكم ولا تزيد فِي درجاتكم، ولكن فائدتها تعود إلى الإنسان لقوله {يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن فِي الأرض} ولأن الإنسان يقتدي بهم فِي الطاعة ويتأدب بآدابهم فِي امتثال الأوامر والانزجار عن الإباء والاستكبار، كيلا يلحقه من اللعن والبعد ما لحق إبليس {فسجدوا إلا إبليس} لأنهم خلقوا من نور، والنور من شأنه الانقياد والإفاضة، وأنه خلق من نار والنار من شأنها الاستعلاء طبعاً {وكان من الكافرين} لأنه ستر الحق على آدم كما سمي إبليس لأنه أبلس الحق. {ولا تقربا هذه الشجرة} أي أبحت لك نعيم الجنة بما فيها وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت بعد عملاً تستحق به الجنة فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأنا خلقتها، فإن طمعت فيها أيضاً فاعلم أن الإنسان له همة عالية وحرص شديد لا يزال تقول جهنم حرصه «هل من مزيد» ولا تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه أي سابقة رحمته وعنايته «سبقت رحمتي غضبي» ثم إنه أبيح له ولزوجه مشتهيات النفس كلها {فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين} وقيل لهما اقتنعا بها ولا توقدا نار الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قربة المحبة ماء المحنة على رأسكما، ولا تقربا شجرة المحبة وقد غرست لأجله فِي الحقيقة {يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] . ولكن سبب النهي هو الدلال الذي يقتضيه غاية الجمال. وأيضاً لو لم ينه عنها فلعله ما فرغ لها لكثرة أنواع المرادات النفسانية وكانت المحبة غذاء روحانياً فذكرها كان كالتحريض عليها فإن الإنسان حريص على ما منع وأيضاً إنه تعالى